تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
على ما مرّ ،
وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
بالمعاداة والمقاتلة ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - بدأهم بالدعوة ، وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به ، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة ، فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم ،
أَ تَخْشَوْنَهُمْ
أي : أتهابون قتالهم حتى تتركوا أمرى ،
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
؛ فإن قضية الإيمان ألا يخاف إلا منه . ثم وعدهم بالنصر فقال :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ
؛ يهنهم بالقتل والأسر ،
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
، فيمكنكم من رقابهم ، ويملككم أموالهم ونساءهم ،
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
، يعني : بنى خزاعة شفوا صدورهم من بنى بكر ؛ لأنهم كانوا أغاروا عليهم وقتلوا فيهم . وقيل : بطونا من اليمن قدموا مكة وأسلموا ، فلقوا من أهلها أذى شديدا ، فشكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : أبشروا ، فإن الفرج قريب .
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
؛ بما لقوا منهم حين أغاروا عليهم ، وقد أوفى اللّه بما وعدهم ؛ بفتح مكة وهوازن . والآية من المعجزات . قاله البيضاوي . وهذا يقتضي أن هذا التخصيص كان قبل الفتح ، فيلتئم مع ما بعده ، ويبعد اتسامه مع ما قبله من البراءة ، ونبذ العهد والإعلام بذلك ؛ لكونه بعد الفتح ، واللّه أعلم . قاله المحشي . ويمكن الجواب بأن يكون صدر السورة نزل بعد الفتح ، وبعضها ؛ من قوله : ( وإن أحد من المشركين . . ) إلخ نزل قبل الفتح ، فإن الآيات كانت تنزل متفرقة فيقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « اجعلوا هذه الآية في محل كذا » . واللّه تعالى أعلم . ثم أخبر تعالى بأن بعض المشركين يتوب من كفره بقوله :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
هدايته ، فيهديه للإيمان ، ثم يتوب عليه ، وقد كان ذلك في كثير منهم .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بما كان ويكون ،
حَكِيمٌ
لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق حكمته . الإشارة : من رجع عن طريق القوم ، ونقض عهد الأشياخ ، ثم طعن في طريقهم ، لا يرجى فلاحه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، أعني في طريق الخصوص ؛ لأنه جمع بين نقض العهد والطعن على الأولياء ، وقد قال تعالى : « من آذى لي وليا فقد آذنني بالحرب » . ومن رجع عنها ؛ لضعف ووهن ، مع بقاء الاعتقاد والتسليم ، فربما تقع الشفاعة منهم فيلحق بهم ، بخلاف الأول ، فقد تقدم عن القشيري ، في سورة آل عمران ، أنهم يريدون الشفاعة فيه ، فيخلق اللّه صورة على مثله ، فإذا رأوها تركوا الشفاعة فيه ، فيبقى مع عوام أهل اليمين . فانظره « 1 » . وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) راجع إشارة الآية 90 من سورة آل عمران .