تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الوجهة لمسبب الأسباب ، قطع الشواغل والعلائق حتى أشرقت أنوار الحقائق . إنما يعمر مساجد حضرة القدوس من آمن باللّه واليوم الآخر ، وأقام صلاة القلوب ، وآتى زكاة النفوس ، ولم يراقب أحدا من المخلوقين ، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين إلى حضرة رب العالمين . ولما افتخر قوم من قريش بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، بيّن اللّه تعالى أن الجهاد أفضل من ذلك ، فقال :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 19 إلى 22 ]

أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 ) قلت : السقاية والعمارة : مصدران ، فلا يشبهان بالجثة ، فلا بد من حذف ، أي : أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن . يقول الحق جل جلاله :
أَ جَعَلْتُمْ
أهل
سِقايَةَ الْحاجِّ ، وَ
أهل
عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
من أهل الشرك المحبطة أعمالهم ،
كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
من أهل الإيمان ،
وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
؛ لإعلاء كلمة اللّه ، المثبتة أعمالهم ، بل
لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
أبدا ؛ لأن أهل الشرك الذين حبطت أعمالهم في أسفل سافلين ، إن لم يتوبوا ، وأهل الإيمان والجهاد في أعلى عليين . ونزلت الآية في علي - كرم اللّه وجهه - والعباس وطلحة بن شيبة ، افتخروا ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، وعندي مفاتحه ، وقال العباس : أنا صاحب السقاية ، وقال على رضى اللّه عنه : لقد أسلمت وجاهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبيّن اللّه تعالى أن الإيمان والجهاد أفضل ، ووبخ من افتخر بغير ذلك فقال :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي : الكفرة الذين ظلموا أنفسهم بالشرك ومعاداة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وداموا على ذلك ، وقيل : المراد بالظالمين : الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين . ثم أكد ذلك بقوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً
، وأعلى رتبة ، وأكثر كرامة ،
عِنْدَ اللَّهِ
، ممن لم يستجمع هذه الصفات ، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم ،
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 366 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان