وتصفية القلب لا يصدر المعاصي الا نادرا - كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله - ولأن صدرت المعاصي نادرا فالنفس المطمئنة بالخيرات والقلب المصفى عن الزيغ والكدورات يندم فورا ويتوب إلى اللّه متابا بحيث يجعل اللّه سيئاتهم حسنات وكان اللّه غفورا رحيما - عن ابن مسعود مرفوعا - التائب من الذنب كمن لا ذنب له - رواه ابن ماجة والبيهقي وعنه في شرح السنة موقوفا الندم توبة - وهؤلاء القوم هم المسميون بفقراء المؤمنين في قوله صلى اللّه عليه وسلم انا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح اللّه لي فيدخلني ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر - وقد مر في تفسير قوله تعالى
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
اعلم أن الفقير من لا شئ له وهؤلاء القوم لا شئ لهم من الوجود وتوابعه - اما الرذائل وصفات النفس الا مادة بالسوء فقد انسلبت منهم بأسرها - واما الوجود وصفات الكمال فوجدوها مستعارة مستودعة من اللّه ذي الجلال والإكرام فلما أدوا الأمانة إلى أهلها ونسبوها اليه تعالى لم يبق منهم اسم ولا رسم ولذلك لا ترى منهم عجبا ولا كبرياء ولا شيئا من مقتضيات الألوهية الباطلة نعوذ باللّه منها - وكلمة مع في قوله صلى اللّه عليه وسلم سبعون ألفا مع كل الف سبعون ألفا - تدل على أن سبعين ألفا تابع لكل الف فلعل المراد به ( واللّه اعلم بمراده ) انهم سبعون ألفا من المكملين مع كل الف منهم سبعون ألفا من الكاملين من العلماء الراسخين والصديقين والأولياء الصالحين - وقوله صلى اللّه عليه وسلم وثلاث حثيات من حثيات ربى الظاهر أنه ليس المراد به كثرتهم لأنه لو أريد الكثرة فحثية واحدة من حثيانه تعالى يتسعه الأولون والآخرون فانّ الأرض
جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
- بل المراد به التنويع - فلعل المراد بالحثيات الثلاث الذين بذلوا أنفسهم في سبيل اللّه وهم الشهداء - والذين بذلوا عمرهم في طاعة اللّه ( ما عدا المذكورين السابقين ) من العلماء المريدين المتشبثين بالأولياء - والذين بذلوا أموالهم ابتغاء مرضات اللّه هؤلاء هم الذين أحبوهم وسلكوا سبيلهم وان لم يبلغوا درجة الأولين - وقوله عليه الصلاة والسلام وعلى ربهم يتوكلون صفتهم من حيث الباطن وتتجافى جنوبهم سيماهم من حيث الظاهر - جعلني اللّه سبحانه منهم بفضله ومنّه - روى البخاري ومسلم واحمد وغيرهم عن أبي هريرة وروى مسلم وغيره فحوه عن ابن عباس انه لمّا نزلت
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
الآية - اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا - يا رسول اللّه كلفنا من الأعمال