حيث لم يجز حمل أنفسها عليها الا بعد انتسابها اليه فقد عرف ربا واجبا واحد قيوما نورا مبينا قريبا ومن سفه نفسه اى جهلها جهل ربه وفي الاخبار ان اللّه تعالى أوحى إلى داود اعرف نفسك وأعرفني - فقال يا رب كيف اعرف نفسي وكيف أعرفك - فأوحى اللّه تعالى اليه اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء وأعرفني بالقوة والقدرة والبقاء - واعلم أن الجهل يكون ضد العلم الذي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع المتعلق بالنسبة الحكمية التي بين القضية فيقتضى المفعولين - والعلم يحصل بالبداهة أو بالاستدلال أو الوحي أو الإلهام وضده الجهل وهو عدم أصلي يستند إلى عدم تلك الأشياء ويكون ضد المعرفة التي يقتضى مفعولا واحدا وهو من باب التصورات ويحصل المعرفة بالبداهة أو البصيرة الموهوبة لأرباب القلوب والمراد بالسفه هو الجهل بالمعنى الثاني حيث عدى إلى مفعول واحد اى لم يعرف نفسه بالبصيرة واللّه اعلم -
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ
نديما وخليلا
فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ
الأنبياء
الصَّالِحِينَ
( 130 ) في مراتب القرب - الصلاح ضد الفساد وذلك بالمعاصي القلبية أو القالبية فكمال الصلاح بالعصمة ودون ذلك بدون ذلك والمراد هاهنا كماله وفي هذه الآية حجة وبيان لما سبق فإنه من كان هذا شأنه فلا يرغب عن اتباعه إلا سفيه جاهل ضعيف العقل .
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
يعنى نفسك إلى اللّه عز وجل وفوض أمورك اليه كذا قال عطاء وقال الكلبي أخلص دينك وعبادتك له - قال ابن عباس قاله ذلك حين خرج من السرب - والظرف متعلق باصطفيناه تعليل له أو منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم انه المصطفى
قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 131 ) فوضت اليه أموري - ومقتضى هذا التسليم انه عليه السلام لما رمى مغلولا بالمنجنيق في نار نمرود قال له جبرئيل هل لك حاجة - فقال اما إليك فلا - فقال - فاسئل ربك - قال حسبي من سؤالي علمه بحالي - فجعل اللّه تعالى ببركة تفويض أموره إلى اللّه تعالى حظيرة النار روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه رواه ( « 1 » ) .
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ
قرا أهل المدينة وأهل الشام وأوصى من الافعال وكذلك في مصاحفهم والباقون وصّى من التفعيل مثل نزّل وانزل والتوصية هو التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة - أصلها الوصلة يقال وصّاه إذا وصله - وفصّاه إذا فصله كانّ الموصى يصل فعله بفعل الموصى - والضمير في بها راجع إلى الملة أو بقوله أسلمت على تأويل الكلمة
بَنِيهِ
الثمانية إسماعيل وأمه هاجر القبطية وإسحاق وأمه سارة
هامش
( 1 ) هكذا بياض في الأصل -