على أن الأصل في الأمر للوجوب عامة للأمر بعد الحظر أيضا ومتى وجدت القرينة على عدم الوجوب يعدل عنه سواء كان الأمر بعد الحظر أو لا فمن فرق بينهما فيجب عليه البيان بالبرهان والمثال الجزئي لا يصلح للبيان فإن الأمر قبل الحظر كثيرا ما يستعمل في غير الوجوب فلو دل هذا على أن الأمر ليس للوجوب لدل على أن الأمر مطلقا ليس للوجوب وكون الأمر هنا للإباحة بقرينة أن إذن المعاملة للترفيه ولو كان للوجوب يكون الأمر علينا حيث نستحق العقاب بتركها لا لنا كالأمر بالصيد وهو قبل الحظر وقد يكون الكسب فرضا وهو كسب قوت يومه وعياله إذا لم يوجد بقدر الكفاية فح يكون الأمر للوجوب فالأمر هنا للقدر المشترك بين الوجوب « 1 » والندب .
قوله : ( وفي الحديث وابتغوا من فضل اللّه ليس بطلب الدنيا وإنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في اللّه ) فلا يكون الأمر بعد الحظر للإباحة إذ عيادة المريض وحضور الجنازة واجب على الكفاية وزيارة أخ في اللّه مندوبة أو مباح فالظاهر أن الأمر أيضا للقدر المشترك بين الوجوب والإباحة فلا تغفل ولما كان الخبر المذكور من إخبار الآحاد رجح الاحتمال الأول لأنه أمس بالسوق .
قوله : ( واذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصوا ذكره بالصلاة ) في مجامع أحوالكم مستفاد من قوله كثيرا لكن المراد بمجامع الأحوال ما سوى الحاجة الضرورية والمجامع عرفي لا حقيقي والذكر أعم من القلبي واللساني وشامل للتسبيح والتحميد والتهليل والصلاة وتلاوة القرآن ومذاكرة العلوم الشرعية ونحوها قوله ولا تخصوا الخ مستفاد من ذكر
وَاذْكُرُوا اللَّهَ
[ الجمعة : 10 ] بعد قوله :
فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ الجمعة : 9 ] والأمر للندب كما قيل لكن الأولى التفصيل بأن يقال الذكر واجب كلما ذكر اللّه تعالى والصلاة واجبة إذا ذكر النبي عليه السّلام في مجلس مرة واحدة بالاتفاق وواجبة كلما ذكر عند بعض والصلاة الخمس واجبة إن عم الذكر إليها وسجدة التلاوة واجبة فإنها ذكر فالأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب أيضا .
قوله : ( بخير الدارين ) فإن الأعمال الصالحة من أسباب الفتوحات الدنيوية أيضا وصيغة الترجي لأنه من عادة العظماء في مقام الجزم .
قوله تعالى :
[ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 11 ]
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 )
قوله : ( تعالى
إِلَيْها
) أي إلى تجارة والقاعدة في العطف بأو إفراد الضمير لكون أو لأحد الأمرين وقد يكون الضمير راجعا إلى المعطوف عليه كما في ما نحن فيه وقد يكون راجعا إلى المعطوف كما في قوله تعالى :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
[ البقرة : 270 ] الآية .
هامش
( 1 ) وهذا أولى أنه للوجوب كما نقل عن السرخسي وأنه للندب كما نقل عن سعيد بن جبير .