تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قوله : ( فتمنوا من اللّه أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في زعمكم بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي ) . قوله تعالى :

[ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 7 ]

وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) ( فيجازيهم على أعمالهم ) فتمنوا من اللّه الأمر للتعجيز أو للسخرية قوله أن يميتكم الخ وهذا ثابت باقتضاء النص ولو حمله على منطوقه كما في سورة البقرة لا خلل فيه وتمام الكلام فيه قد مر في سورة البقرة وكلمة الشك في الموضعين على اعتقاد المخاطبين فهم وإن كانوا جازمين لكن لوجود ما يقلعه ينبغي أن لا يجزم ولك أن تقول إنه من قبيل قوله تعالى :
أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ
[ الزخرف : 5 ] وهذا وإن خالف ما في البقرة لفظا لكنه مطابق له معنى إذ زعم كونهم أولياء اللّه مستلزم لدعوى أن الدار الآخرة خالصة لهم وبالعكس . قوله تعالى :

[ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 8 ]

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) قوله : ( وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم ) وتخافون أن تتمنوه نبه به على أن الفرار من الموت معناه خوف تمنيه باللسان وإلا فحقيقة الفرار غير متصور أو غير مراد وأشار بلسانكم إلى أن التمني بالقول لا بالقلب ولو كان عمل القلب لقالوا تمنينا كما صرحه في البقرة . إلى اسم إن فالمعنى إن كنتم تزعمون أنكم تحبون اللّه متجاوزين عن الناس فتمنوا الموت فإن قيل لم لم تضف أولياء اللّه كما أضيف في
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] أجيب بأن ذلك للفرق بين من يدعي أنه أولياء اللّه وبين من يخصه اللّه تعالى للولاية ونحوه في الإضافة قوله :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
[ الصف : 14 ] فإن معناه على ما مر من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معنى في نصرة دين اللّه ومعنى نحن أنصار اللّه الذين ينصرون اللّه وقد سبق أن الإضافة الأولى محضة والثانية غير محضة . قوله : بسبب ما قدموا يريد أن التقديم وإن كان مسندا ظاهرا إلى أيديهم لاكتساب أكثر الأفعال بها لكنه في الحقيقة مسند إليهم قال الزمخشري ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحد منهما نفي للمستقبل إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ
[ البقرة : 95 ] ومرة بغير لفظه ولا يتمنونه قال الراغب إن قوله :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
[ الجمعة : 6 ، 7 ] الآية لما كان مفتتحا بشرط علقت صحته بتمني الموت ووقع هذا على الشرط غاية ما يطلبه المطيع ولا مطلوب وراءه على ما ادعوه لأنفسهم وهو أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون غيرهم وجب أن يكون ما يبطل تمنى الموت أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في ما ينتفي شرطهم به فكان ذلك بلفظة لن التي للقطع والثبات وليس كذلك الشرط في سورة الجمعة إذ ليس زعمهم أنهم أولياء اللّه من دون الناس مثل المطلوب الذي لا مطلوب وراءه والدار الآخرة لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف دار الثواب فلما كان الشرط في هذا المكان قاصرا عن الشرط في ذلك المكان ولم يكن الدعوى دعوى غاية المطلوب لم يحتج في نفيه وإبطاله إلى ما هو غاية في بابه .