قوله : ( أو غيا ولا رشدا أعبر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه ) أو غيا معنى ضرا مجازا لأن الضر مسبب عن الغي وهو الطغيان فذكر اسم المسبب وأريد السبب وإلى هذا أشار بقوله عبر عن أحدهما الخ قوله باسم سببه ناظر إلى تفسير رشدا بنفعا قوله أو مسببه ناظر إلى تفسير ضرا بغيا واخره لأنه تأويل قبل الاحتياج إلى التأويل .
قوله : ( إشعارا بالمعنيين ) مع وجاوزة اللفظ وجه الإشعار هو أن السبب مشعر بالمسبب وعكسه لكن في العكس مناقشة إذ المسبب يجوز أن يكون له أسباب كثيرة فلا يشعر السبب بخصوصه إلا أن السبب إذا كان منحصرا في سبب واحد يتم ما ذكره إن كان ما نحن فيه كذلك وفي مثل هذا يمكن صنعة الاحتباك ولا يبعد أن يكون هذا مراد المصنف بذلك .
قوله تعالى :
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 22 ]
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 )
قوله : ( إن أرادني بسوء ) كما لن يجير أحدا أحد إن أراده بإصابة سوء والتخصيص بالذكر ليعلم ذلك في غيره عليه السّلام بطريق الأولوية .
قوله : ( منحرفا ) هو معناه الحقيقي .
قوله : ( وملتجئا ) معناه المجازي وهو المراد هنا فلا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي مع أنه جائز عند المصنف .
قوله تعالى :
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 23 ]
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 )
قوله : ( استثناء من قوله :
لا أَمْلِكُ
[ الجن : 21 ] ) أي من مفعوله وهو ضرا ولا رشدا لأنه بمعنى لا أملك شيئا لأن الشيء لا يخلو عنهما فذكرهما كناية عنه .
قوله : ( فإن التبليغ إرشاد وإنفاع ) فيكون الاستثناء متصلا والظاهر من كلامه أن الاستثناء من رشدا فقط لكن الأولى أن يكون الاستثناء من المجموع وللإشارة إليه قال استثناء من قوله :
لا أَمْلِكُ
[ الجن : 21 ] مسامحة ولا يلزم من الاستثناء من المجموع ترك وكذا هنا رشدا مقابلا لضرا عبر عن أحد المقابلين باسمه وعن المقابل الآخر باسم سببه أو مسببه جمعا بين المعنيين وهذا ضرب من البلاغة أفاده إيجاز اللفظ حيث استفيد من اللفظ اليسير المعنى الكثير .
قوله : استثناء من قوله :
لا أَمْلِكُ
[ الجن : 21 ] فإن كان المستثنى منه ضرا ولا رشدا وهو بمعنى ضرا ولا نفعا يكون الاستثناء متصلا المعنى لا أملك شيئا إلا بلاغا وإن كان المستثنى منه ذلك أيضا لكن فسر بغيا ولا رشدا على معنى إني لا أستطيع أن أقسركم على الغي والرشد على ما في الكشاف يكون الاستثناء منقطعا أو متصلا من باب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
البيت قال أبو البقاء هو استثناء من غير جنس ذهب إلى أن الاستثناء منقطع والقاضي رحمه اللّه جعل الاستثناء متصلا حيث جعل المستثنى منه رشدا ولذا قال فإن التبليغ إرشاد .