تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
قوله تعالى :

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 28 ]

قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قوله : ( رأيا أو سنا ) أي الأوسط من الوسط بمعنى الخبر كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] والثاني ظاهر قدم الأول لأن هذا القول الحسن إنما صدر من الرأي الحسن قوله أو سنا يحتمل كونه لمنع الخلو . قوله : (
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ
[ القلم : 28 ] ) إنكار للنفي وإثبات المنفي أي قد قلت لكم ولم تقبلوا فكنتم مصابن وسرى مضرتكم إلي . قوله : ( لولا تذكرون وتتوبون إليه من خبث نيتكم ) أي لولا تذكرون نعم اللّه تعالى عليكم فتنفقون المساكين تشكرا كإنفاق أبيكم لولا تحضيضية والتسبيح بمعنى الذكر والتوبة مجازا بذكر المقيد وإرادة المطلق ثم المقيد الآخر لكونه أفرادا من المطلق . قوله : ( وقد قاله حيث ما عزموا على ذلك ويدل على هذا المعنى
قالُوا
[ القلم : 29 ] الآية ) إنما دل عليه لأن قولهم :
إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
[ القلم : 29 ] اعتراف بالذنب إظهارا للندامة والندامة ركن أعظم للتوبة ويفهم منه العزم على عدم العود وذكر التسبيح لأنه مفتاح التوبة كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] . قوله تعالى :

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 29 ]

قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) قوله : ( أي لولا تستثنون فسمى الاستثناء تسبيحا لتشاركهما في التعظيم ) بيان وجه قوله : أوسطهم رأيا أي أفضلهم في الرأي من الواسطة وهي الفضلى من جواهر العقد وأوسطهم في السن فحينئذ يكون من الوسط قال الزمخشري أوسطهم أعدلهم وخيرهم من قولهم وهو من سطة قومه وأعطني من سطات مالك ومنه قوله تعالى :
أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] قال الراغب وسط الشيء بالتحريك ما له طرفان متساويا القدر ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت وسطه صلب ووسط بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين شيئين نحو وسط القوم كذا والوسط بالتحريك تارة يقال فيما له طرفان مذمومان كالجود الذي بين البخل والسرف فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط فيمدح به نحو السواء والعدل والنصفة نحو
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] وعلى ذلك قال أوسطهم
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
[ القلم : 28 ] وتارة يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم كالخير والشر ويكنى عن الرذل نحو قولهم فلان وسط من الرجال تنبيها على أنه خرج من حد الخير . قوله : ويدل على هذا المعنى
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
[ القلم : 29 ] أي يدل على أن المعنى
لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
[ القلم : 28 ] تحريض على التوبة من تلك العزيمة الخبيثة وحث على التصدق على المساكين على عادة أبيهم تداركهم حين لا ينفعهم بقوله سبحانه :
رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
[ القلم : 29 ] وجه دلالته عليه أن قولهم هذا في جواب
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
[ القلم : 28 ] التزام منهم للتوبة وندم على عزمهم ذلك لأنهم نزهوا ربهم عن أن يترك ما يريده ويفعل ما يريدونه واعترفوا بأن عزمهم ذلك ظلم على المساكين وتضرعوا لربهم بقولهم هذا .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 238 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر