يعدل عنه مهما أمكن ولم يلتفت إلى جواز كونها منقطعة كما ذهب إليه أبو حيان وغيره لما ذكرناه ولا مانع منه اجتماع الاستفهام إذا جعل منقطعة لأن معناه بل مع همزة الاستفهام وكلمة من استفهامية لأن ذلك يسوغ للتأكيد وأيضا أشار إلى جواب آخر بقوله إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام وقيل يجوز أن يكون من موصولة .
قوله : ( على معنى أو لم ينظروا في أمثال هذه الصنائع ) حمل الرؤية على النظر مع أنه متعد بإلى فهو إما بيان حاصل المعنى أو في بمعنى إلى في أمثال هذه الصنائع أي في هذه الصنائع كناية مثل قوله مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل والصنائع القبض والبسط والإمساك لكون القبض والبسط مخلوق اللّه تعالى وإن أبيت عنه وقلت إنهما فعلا الطير فعل الإمساك بمنزلة الصنائع لتحققه كل حين حال القبض والبسط والعروج والنزول .
قوله : ( فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب ) على تعذيبهم أي في الدنيا بنحو خسف الخ أشار به إلى أن قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
[ الملك : 19 ] مسوقة لبيان قدرته تعالى على تعذيبهم بنحو خسف الخ ليظهر اتصاله بما قبله قول فلم يعلموا تنبيه على أن المراد بانتفاء النظر انتفاء العلم على القدرة على ذلك بانتفاء سببه .
قوله : ( أم لكم جند ينصركم من دون اللّه إن أرسل عليكم عذابه ) أي أحد الأمرين واقع والسؤال للتعيين والمعنى أم لهم علم بالقدرة على ذلك بالنظر القويم لكن لهم جند يدفع عنهم العذاب بنحو خسف الخ كون السؤال لتعيين أحد الأمرين المستويين باعتبار أصل وضعه فالمراد هنا إنكار ذلك للتوبيخ في الأول والإنكار الإبطالي في الثاني والثالث ولك أن تقول إن الإنكار في الأول الإنكار الواقع وفي الأخيرين الإنكار للوقوع والالتفات في الأخيرين لكمال التهديد في الوعيد الأكيد .
يلزم اجتماع استفهامين فإنها لو حملت على الانقطاع ينبغي أن يكون من استفهامية ويكون من مبتدأ وهذا خبره والذي مع صلته نعتا لهذا
وَيَنْصُرْكُمْ
[ الملك : 20 ] نعتا لجند محمولا على اللفظ ولو جمع حملا على المعنى لجاز والظاهر من كلام الكشاف وإن موصولة وهذا الذي هو جند لكم صلتها وينصركم خبر فحينئذ يحتمل أن يكون أم متصلة والقرينة المعادلة محذوفة فالمعنى اللّه الذي له هذه الأوصاف الكاملة والقدرة القاهرة ينصركم وينجيكم من الخسف والحصب وغيرهما إن أصابتكم أم الذي يشار إليه ويقال في حقه هذا الحقير الذي تزعمون أنه جند لكم ينصركم من دون اللّه الرازق ذي القوة المتين أم الذي يقال في حقه هذا الضعيف المهين الذي تدعون أنه يرزقكم أوقع
إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
[ الملك : 20 ] اعتراضا وضعا للظاهر موضع المضمر تسجيلا على غرورهم وتجهيلا بعد تجهيل ويمكن أن يجعل أم منقطعة ويقال قل يا محمدا لم ينظروا في أمثال هذه الصنائع العجيبة حتى يعرفوا أنه هو وحده قادر على الخسف وإرسال الحاصب وعلى إنجائكم منها ثم اضرب عن ذلك وقيل بل أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن أي لا تسأل عن ذلك لأنه مفروغ منه فإنهم كانوا إذا أخر بهم خطب عظيم دعوا اللّه مخلصين له الدين دون شهدائهم وأصنامهم بل سل عن هذا تقريعا وتوبيخا .