تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
قوله تعالى :

[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 14 ]

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 14 ) قوله : ( يدبره كيف يشاء ) وهذا هو المراد بذلك الخبر لأنه لازم للملك وملك السماوات والأرض عام لمن فيهما وما فيهن وما بينهما كما صرح به في بعض المواضع بجعل السماوات عبارة عن العلويات والأرض عن السفليات إذ التدبير عام ولذا قال يغفر الخ حتى قيل إن ذكره توطئة لما بعده من قول يغفر الخ . قوله : ( إذ لا وجوب عليه ) كما هو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة وقيد المشيئة ينافي الوجوب وقد فصل هذا الكلام في علم الكلام وفي الكشاف يدبره تدبير قادر حكيم فيغفر ويعذب بمشيئته ومشيئته تابعة لحكمته وحكمته المغفرة للتائب والتعذيب للمصر انتهى والمصنف اسقط قيد التائب والمصر ردا عليه إذ المغفرة لغير التائب جائزة ما سوى الكفر وشرط التوبة مذهب المعتزلة وأيضا المغفرة والتعذيب واجب للتائب والمصر عندهم وعند أهل الحق لا وجوب أصلا . قوله : ( فإن الغفران والرحمة من ذاته والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض ) بيان وجه التخصيص وعدم التعرض للتعذيب بأن يقال وكان اللّه شديد العذاب فإن هذه الجملة مقررة لما قبلها تذييلية والمذكور فيما قبلها المغفرة والتعذيب قوله من ذاته أي مقتضى ذاته وداخل تحت قضائه بالذات لا بالعرض والتعذيب داخل تحت قضائه لكن لا بالذات بل بالعرض كأنه داء ساقهم إليه كفرهم ومعاصيهم كما بينه في أوائل سورة يونس وأما ما قرره المص في قوله تعالى :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
[ آل عمران : 26 ] من أن الخير هو المقتضى بالذات والشر بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي إلا وهو متضمن لخير كلي والشر مقضي بالعرض فلا مساس له هنا كما لا يخفى فالغفران أيضا بالقضاء والفرق كونه بالذات فيه وبالعرض في التعذيب بالمعنى الذي قرره في أوائل سورة يونس . قوله : ( ولذلك جاء في الحديث الإلهي سبقت رحمتي غضبي ) أوله كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق رحمتي سبقت غضبي فالسبق على ما ذكره المصنف بمعنى التقدم الذاتي وقال التوربشتي المراد بالسبق الغلبة الواقعة في بعض الروايات وهي كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم وقال الطيبي المراد بالسبق القطع بوقوعه بخلاف العقاب المترتب على الغضب فإنه قد يتجاوز عنه كذا قيل والظاهر أن مراد المصنف معنى الغلبة أيضا لأن ما هو بالذات غالب على ما هو بالعرض والسبق الذاتي وإن كان له معنى لكن لا يناسب هنا لأن غرض المصنف بيان وجه التخصيص وعدم ذكر العقاب والسبق الذاتي لا يفيد ذلك وكون صفاته تعالى لا ينافي سبق بعضها بعضا بالتقدم الذاتي بالمعنى الذي أثبته المتكلم وإنما المنافي التقدم بالزمان ونقل عن الكرماني أنه قال السبق باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة تقتضي ذاته تعالى بخلاف الغضب فإنه يتوقف على سابقة عمل من العبد مع أن الرحمة والغضب ليسا