تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
وذكر رحمة بعد رأفة مع أن الرأفة أبلغ من الرحمة للتأكيد والمبالغة والمفهوم منه أنهم مبلغون لمن لم يتبعوه ومآله أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين . قوله : ( أي وابتدعوا
رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
[ الحديد : 27 ] ) أي أنه من قبيل الاضمار على شريطة التفسير فيكون منصوبا بمقدر يفسره ما بعده بطريق الاشتغال بالضمير وهذا هو المختار ولذا قدمه . قوله : ( أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات ) أي أو أنها منصوبة معطوفة على رأفة أو على رحمة على أنها مفعول جعلنا ولذا قال على أنها من المجعولات قوله مبتدعة إشارة إلى أن ابتدعوها على هذا الاحتمال صفة رهبانية عبر بالمفرد لأن الإفراد أصل في الصفة وما وقع جملة في تأويل المفرد وهذا الجعل سواء كان بمعنى الخلق أو بمعنى التصيير بواسطة كسب العبد واختياره بخلاف الرأفة والرحمة فإنه لا مدخل لاختياره فيهما كسائر فعل العبد فإنه متعلق لقدرتين قدرة العبد بالكسب وقدرة اللّه بالخلق وهذا مذهب أهل الحق واضطرب في أمثال ذلك المعتزلة والمعنى أحدثوها بالكسب من عند أنفسهم بدون أمرمنا فخلقناها في قلوبهم أو صيرناها كائنة فيها . قوله : ( وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي ) وهي أي الرهبانية المبالغة في العبادة بحيث يصعب تحملها على النفس المطية والمبالغة في العبادة ليست أمرا قلبيا فالمعنى وهي النية والعزيمة على المبالغة في العبادة ولظهور المراد تسامح في العبادة وفيه تنبيه على أن المبالغة في العبادة إنما يعتد بها إذا كانت بنية خالصة قوله منسوبة إلى الرهبان صفة مشبهة بوزن عطشان من قبيل نسبة الفعل إلى فاعله أو الصفة إلى موصوفها . قوله : ( وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع الراهب كراكب وركبان ) كأنها منسوبة وإنما قال كأنها منسوبة لأن الرهبان إما جمع كما اختاره والنسبة إلى الجمع على خلاف القياس فيحتاج إلى التأويل بأنه في حكم العلم لاختصاصها بطائفة مخصوصة قوله : أو رهبانية مبتدعة فعلى هذا يكون رهبانية معطوفة على
رَأْفَةً وَرَحْمَةً
[ الحديد : 27 ] فيكون من عطف المفردات وأما إذا كان نصبها بفعل محذوف على شريطة التفسير كما هو الوجه الأول يكون من عطف الجمل والمعطوف عليه قوله :
جَعَلْنَا
[ البقرة : 125 ] تقديره وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة وابتدع رهبانية وفي الكشاف والرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة وذلك أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى عليه السّلام فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل فخافوا أن يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي إلى هنا كلامه وقع في جميع النسخ بعد موت عيسى قالوا الصحيح بعد رفع عيسى عليه السّلام . قوله : وقرئت بالضم منسوبة إلى الرهبان قال صاحب الانتصاف فيه إشكال فإن النسب إلى الجمع على صيغته غير مقبول حتى يرد إلى المفرد إلا أن يقال لما صار الرهبان طائفة مخصوصين
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 476 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر