التصديق أقوى من التصديق بالمقال لأنه دلالة الحال وهي انطق من لسان المقال وهذا التصديق وإن كان مجازا بجامع الدلالة لكنه حمله عليه لأنهم صدقوا بالخلق بالقول قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ لقمان : 25 ] الآية وتصديقهم بخلقهما مستلزم لتصديق ما خلق أنفسهم فإنهما أصل الكائنات وهذا التصديق إنما يعتد به إذا قارن الطاعة لخالقهم وإلا فينزل منزلة العدم لولا تحضيضية بمعنى هلا والفاء لترتيب التحضيض على ما قبلها والتحضيض على التصديق بالعمل إنما هو للكفرة فيكون تلوين الخطاب إلى الكفار خاصة بعد الخطاب للناس بقوله :
خَلَقْناكُمْ
[ الواقعة : 57 ] ولو أريد الخطاب به للكفار أيضا لا يكون من تلوين الخطاب بل من قبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب .
قوله : ( أو بالبعث فإن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة ) أو بالبعث عطف على قوله بالخلق بإعادة الجار بقرينة قوله :
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
[ الواقعة : 47 ] فإن من قدر على الابداء الخ هذا إشارة إلى ترتيبه بالفاء على ما قبله وقد مر غير مرة أن الابداء يدل على الإعادة بل الإعادة أهون منه مع برهان عليه أخره لأن الأول أقرب لفظا ومعنى أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن التصديق يؤدي إلى التصديق بالبعث أو مسبب عنه .
قوله تعالى :
[ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 58 ]
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 )
قوله : ( أفرأيتم ما تمنون ) أي انظرتم فرأيتم فعلمتم ما تمنون من الإمناء أصله تمنيون فاعل فصار تمنون .
قوله : ( ما تقذفونه في الأرحام ) حاصل المعنى إذ معنى الامناء صب المني بدفق ودفع وأشار إلى أن ما موصولة حذف عائدها للفاصلة .
قوله : ( من النطف ) جمع نطفة وجمع لأن ما عبارة عن النطف بقرينة تمنون .
قوله : ( وقرىء بفتح التاء من مني النطفة بمعنى أمناها ) يعني أن مني من الثلاثي وأمنى من الأفعال بمعنى واحد وهو إسالة المني بدفع .
قوله : أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف اعلم أن الإمام بين في البقرة وجه الاستدلال بهذه الأنواع المذكورة وأحسن فيها كل الإحسان وأما وجه الاستدلال بهذه الآية على صحة البعث فإن يقال إن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو شيء منبث في أطراف الأعضاء ولهذا يشترك جميع الأعضاء في الالتذاذ بلذة الوقاع لحصول إلا بخلال فيها كلها ثم إن اللّه سبحانه وتعالى سلط قوة الشهوة على البنية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء المنبثة فالحاصل إن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا أولا في أطراف العالم ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان فتفرقت في أطراف بدنه ثم جمعها اللّه تعالى في أوعية المني فأخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كان قادرا على جمع هذه الأجزاء المتفرقة وتكوين الحيوان منها فإذا تفرقت بالموت مرة أخرى لا يمتنع عليه جمعها وتكوينها مرة أخرى هذا تقرير هذه الحجة .