قوله : ( وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ) أي مقتضى الظاهر أن يقول لا تقولوا لأنهم ادعوا الإيمان مع خلوهم عنه فالظاهر نفي قولهم آمنا بأن يقول لا تقولوا آمنا فيظهر الاستدراك بقوله ولكن قولوا أسلمنا أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم أي الظاهر ما ذكر حتى يكون النفي والإثبات على وتيرة واحدة فحيث نفي الإيمان ينبغي أن يثبت الإسلام ولا يذكر القول المص .
قوله : ( فعدل عنه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان ) ولم يلتفت إلى القول بالاحتباك بأن يقال إن أصله لم تؤمنوا ولا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا فحذف من كل منهما ما أثبت في الآخر لأنه خلاف الظاهر ولا داعي إلى ارتكاب الحذف الكثير ولذا قال فعدل عنه الخ أي احترازا عن نهبهم عن القول بالإيمان وإن كان المراد لا تدعوا الإيمان نفاقا وكذبا لكن ظاهره النهي عن القول ولذا قال تعالى :
لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
[ البقرة : 104 ] مع أن مآلهما واحد فربما يسمعه المشركون ويوقعون الشبهة ويتوسلون به إلى التلبس والتدليس وبهذا البيان ظهر ضعف الاحتباك .
قوله : ( والجزم بإسلامهم وقد فقد شرط اعتباره شرعا ) ناظر إلى العدول عن أسلمتم ولما كان ههنا مظنة أن يقال والجزم بإسلامهم اللغوي المذكور لا بأس في جزمهم قال وقد فقد شرط اعتباره شرعا وهذا وإن لم يكن مرادا لكنه يحتمله ولذا لم يجزم بإسلامهم بل أمروا بالقول به وهذا لا يضر المقصود لأن القول به لا يقتضي الجزم به .
قوله : ( توقيت لقولوا فإنه حال من ضميره ) إشارة إلى دفع توهم التكرار مع قوله لم تؤمنوا وحاصل الدفع أن هذه الجملة المنفية حال من فاعل قولوا ومن المعلوم أن الحال تقييد لعاملها فالأمر بقول أسلمنا مقيد بعدم دخول الإيمان في قلوبهم أي قولوا أسلمنا دون
تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الحجرات : 17 ] .
قوله : احترازا من النهي عن القول بالإيمان يعني لم يقل لا تقول آمنا احترازا عن النهي عن القول بالإيمان فإنه من الشارع المبعوث للدعوة إلى الإيمان مستهجن وإلى معناه ينظر قول الفرزدق :
ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد لم تسمع له لاء
ولم يقل أسلمتم احترازا عن الجزم بإسلامهم والحال أنه قد فقد شرط اعتبار إسلامهم شرعا وهو المواطأة بين اللسان والقلب وهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .
قوله : توقيت لقولوا أي تعيين وتقييد لقولوا يعني قوله عز وجل :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] حال من الواو في قولوا أسلمنا مقيدة لقولهم ذلك ومخصصة له ببعض الأحوال فإن الحال قيد للعامل وتقييد المطلق تعيين له وتخصيص ببعض ما يتناوله أي ولكن قولوا أسلمنا حال كونكم غير مصدقين بقلوبكم ومخالفا ألسنتكم لقلوبكم قال العلامة في الكشاف فإن قلت قوله
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
بعد قوله :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
[ الحجرات : 14 ] يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة قلت ليس كذلك فإن فائدة قوله :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
[ الحجرات : 14 ] هو تكذيب دعواهم وقوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] توقيت لما أمروا به أن