تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
قوله تعالى :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 12 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( 12 ) قوله : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ
[ الحجرات : 12 ] ) وجه تكرير النداء قد مر فتذكر . قوله : ( كونوا منه على جانب ) هذا بيان أصل معناه لأنه افتعال من الجانب ثم شاع في التباعد اللازم له لأنه الكون على جانب معنوي منه فصار حقيقة عرفية . قوله : ( وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبل ) أي تنكيره لأنه يقتضي اجتناب كثير لا على التعيين فيلزم منه ما ذكر . قوله : ( فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات ) هذا في حق المجتهدين ومقلديهم وفي الكشاف والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم يعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب الخ والمصنف أشار إلى ما يجوز من الظنون وإلى ما لا يجوز ونبه به على أن قيد كثيرا احتراز عن الظنون التي لها مساغ في الشرع كما أوضحه . قوله : ( وحسن الظن باللّه تعالى ) وفي الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي . قوله : كونوا منه على جانب هو إشارة إلى مأخذ اشتقاق اجتنبوا قال الزمخشري رحمه اللّه يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله منه في جانب فيعدى إلى مفعولين قال اللّه تعالى
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] ثم يقال في مطاوعه اجتنب الشر فينقص المطاوعة مفعولا والمأمور باجتنابه هو بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا يرى إلى قوله :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
[ الحجرات : 12 ] . قوله : وابهام الكثير الخ أي تنكير كثيرا في اجتنبوا كثيرا من الظن للعموم ليذهب ذهن السامع إلى كل كثير من إفراد جنس الظن ويحتاط فيه ويتأمل ليعرف أن الذي يظنه من أي قبيل له أهو مما يجب اتباعه أو مما يحرم أو مما يباح وصاحب الكشاف حمل تنكير كثير على التبعيض حيث قال مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية وأن في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين لئلا يجترىء أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة مع استشعار التقوى والحذر ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظن منوطا بما يكثر منه دون ما يقل ووجب أن يكون كل ظن متصف بالكثرة مجتنبا وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظنيه والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد والخيانة محرم بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن اللّه حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء وعن الحسن كنا في زمان الظن بالناس حرام وأنت اليوم في زمان أعمل وأسكت وظن بالناس ما شئت وعنه لا حرمة لفاجر وعنه أن الفاسق إذا ظهر فسقه وهتك ستره هتكه اللّه وإذا استر لم يظهر اللّه عليه لعله أن يتوب وقد روي من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له .