قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 11 )
قوله : ( أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ) قيد المؤمنين لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ الحجرات : 11 ] وقيد البعض مستفاد من قوله :
لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
[ الحجرات : 11 ] قوله والمؤمنات ففي قوله آمنوا تغليب ومقتضى الكلام لا يسخر بعضكم من بعض لكنه عدل عنه إلى ما اختير لينتظم عطف قوله :
وَلا نِساءٌ
[ الحجرات : 11 ] الآية انتظاما حسنا وليحسن ربط عسى أن يكونوا الخ .
قوله : ( إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند اللّه من الساحر ) معنى عسى أن يكونوا الخ والسخرية وإن كان ممنوعا مطلقا « 1 » لكنها في ذلك أشنع فلذا قيد به فلا يلزم جواز ذلك في غير ذلك ما لم يساعده الشرع .
قوله : ( والقوم مختص بالرجال ) توجيه لمقابلته النساء .
قوله : ( لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع ) فهو في معنى الجمع .
قوله : ( أو جمع لقائم كزائر وزور ) والمشهور في هذه الأبنية كونها اسم جمع قوله : أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض معنى البعضية مستفاد من تنكير قوم فإن تنكيره إما للإفراد أو للشيوع والعموم واختار رحمه اللّه كونه للإفراد والزمخشري رحمه اللّه جوز كونه للشياع حيث قال وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية .
قوله : والقوم مختص بالرجال قد اختلف في أن لفظ القوم مختص بالرجال أو هو لفظ يطلق على الذكر والأنثى والحق إنه مختص بالرجال بشهادة وقوع ذكره في الآية في مقابلة ذكر النساء ويشهد به أيضا قول زهير :
ما أدري وسوف أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء
غير أن شهادة الآية مستفادة من عطف النساء عليه وشهادة البيت من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة والآخر يلي أم .
قوله : كزائر وزور فإن زورا بفتح الزاء جمع زائر وكصوم بالفتح جمع صائم وكذا قوم جمع قائم .
هامش
( 1 ) وفي الكشاف فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا فيظلم نفسه بتحقير من وقره وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا انتهى ومقتضاه عدم جواز الاستهزاء ولو كان كافرا فقول المص إذ قد يكون المسخور منه خيرا بما يشعر أنه قد لا يكون خيرا لكنه لعدم الاطلاع على الخيرية بحفائها لكونها أمرا قلبيا لا يجوز لأحد أن يسخر من أحد فليتأمل .