تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
والبغض مقابلته للحب أظهر ولم يتعرض لبيان حبب لأنه على ظاهره وفي القاموس حببت إليه وقيل لما كان في التحبب والتكريه معنى الإنهاء عديا بإلى . قوله : ( والكفر تغطية نعم اللّه تعالى بالجحود والفسوق الخروج عن القصد ) أي مستعار من تغطية الحس يقال كفر الزراع الحبوبات أي ستره تحت الأرض فاستعير لتغطية نعمة اللّه بالإنكار أو نقل إلى هذا المعنى إذ إنكار وحدة اللّه تعالى والنبوة مثلا إنكار نعمة اللّه والفسوق الخروج عن القصد أي الوسط إما بالإفراط أو بالتفريط والفسق في الشرع الخروج عن أمر اللّه تعالى بارتكاب الكبائر وله درجات ثلاث التغالي والانهماك والجحود كما فصله في قوله تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ البقرة : 26 ] وما ذكره هنا أصل معناه ومنه فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها . قوله : ( والعصيان الامتناع عن الانقياد ) أصله من عصت النواة صلبت واشتدت فنقل إلى الامتناع عن الانقياد بينه وبين الفسق الشرعي عموم وخصوص مطلقا كل فسق وهو ارتكاب الكبيرة عصيان وليس بالعكس إذ العصيان متحقق في الصغائر دون الفسق . قوله تعالى :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 8 ]

فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) قوله : ( تعليل لكره أو حبب وما بينهما اعتراض لا للراشدين فإن الفضل فعل اللّه ) أو
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] وأمثاله بقياس الغائب على المشاهد فهذا تحريف لكتاب اللّه تعالى فإن اللّه عز وجل أعطى وأثنى ومنح ومدح ولا موجود إلا اللّه وصفاته وأفعاله بعضها محل لبعض فماذا تقول في ثناء اللّه على رسله باصطفائه لهم أهو بما اكتسبوه أو بما وهبهم فاتهبوه فإن قال بالأول خرج عن الملة وإن قال بالثاني فسلم الأمر وقال الطيبي رحمه اللّه قوله وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلى أن يثني عليهم بفعل اللّه بعيد عن المقام لأن ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم غير وارد على المدح بل على سبيل الامتنان وأنه تعالى هو بفضله وكرمه اختصهم به ليحمدوه على ذلك لا أنه يمدحهم به ولذلك قرره بقوله وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان على سبيل الطرد والعكس ثم فرع عليه بقوله :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
[ الحجرات : 7 ] مدحا وتعريضا فاثبت الخلق أولا وقرنه بالكسب ثانيا ومدحهم عليه أقول ليس مراد صاحب الكشاف بالمدح ههنا ما دل عليه قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
[ الحجرات : 7 ] بل ما دل عليه قوله :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
[ الحجرات : 7 ] فإن ظاهره مدح لهم بالرشد الذي أثمره فعل اللّه الذي هو تحبيبه إليهم الإيمان وتكريهه الكفر فإن لفظ أولئك دلالة على أن تحبيب اللّه إليهم الإيمان علة لرشدهم كقولك صديقك القديم حقيق بالإحسان وهذا في الظاهر مدح للإسنان بفعل اللّه تعالى لأنه لما كان الرشد معلولا لفعل اللّه كان المادح به مدحا بفعل اللّه وإن كان نفس الرشد فعلهم قوله الكفر تغطية نعم اللّه بالجحود قال الراغب الكفر عبارة عن الستر وكفر النعمة سترها وحقيقة الكفر ستر نعمة اللّه وأعظم الكفر ما كان مقابلا لأعظم النعم وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب ومن قابل تلك النعمة بالكفران فهو الكافر المطلق ولذلك صار الكفر في الإطلاق جحود الوحدانية والنبوة والشرائع . قوله : فإن الفضل فعل اللّه تعالى يريد أن فضلا مفعول له لحبب وكره ولا يجوز أن يكون مفعولا له للرشد في أولئك هم الراشدون لأن المفعول له يجب أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل