تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
اللّه تعالى وعلمه تعالى بأنهم لا يؤمنون إنما هو باختيارهم الكفر وأيضا العلم غير مؤثر فلا يلزم الجبر والفاء في
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ يس : 7 ] داخل على العلة ولا تنس ما ألفينا إليك . قوله تعالى :

[ سورة يس ( 36 ) : آية 8 ]

إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) قوله : ( تقرير لتصميمهم « 1 » على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم ) وهذا التصميم أثر الطبع على قلوبهم فعطف الطبع على قلوبهم عطف العلة على المعلول فلا إشكال بأن ما ذكر في النظم فعل اللّه تعالى دون فعلهم ومعنى الطبع وختم القلوب قد مر تفصيله في أوائل البقرة وحاصله أنه استعارة تمثيلية شبه الهيئة المأخوذة من ذواتهم وإحداث هيئة وعدم قدرتهم « 2 » على الالتفات إلى الحق وعدم وصولهم إلى الصواب المطلق بالهيئة المنتزعة من المغلولين بالأغلال المجعولة في أعناقهم وعدم قدرتهم على النظر إلى الجهات والحرمان عن جميع المرادات فذكر اللفظ المركب الموضوع للهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة وجه الشبه عدم القدرة على الوصول إلى المطلوب وفي التيسير أن جمع الأيدي « 3 » إلى الأذقان عبارة عن عدم قوله : تقرير لتصميمهم على الكفر أي قوله :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
[ يس : 8 ] تقرير لتصميمهم على الكفر بأن مثل تصميمهم ذلك وأنه لا سبيل إلى انزجارهم على الكفر بأن جعلهم كالمغلولين المقحمين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يميلون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون أي لا يطأمنون ولا يخفضون رؤوسهم له قال صاحب الانتصاف شبه تصميمهم على الكفر بذي الأغلال واستكبارهم مشبها بالأقماح لأن المقمح لا يطأطىء رأسه وقوله :
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ
[ يس : 8 ] كناية عن الأيدي وإن لم يجر لها ذكر لأن الغل يجمع اليد إلى العنق وقال الزجاج بعد ما ذكر نحوا من هذا ولم يذكر الأيدي إيجازا واختصارا لأن الغل يتضمن اليد والعنق ومثله قول الشاعر :
وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني
أي الخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا أبتغيه يليني فذكر الخير وحده وقد علم أن الخير والشر معترضان للإنسان ونحوه قوله تعالى :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] قوله : ( رافعون رؤسهم ) معنى الرفع مستفاد من الإقماح فإن المقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره يقال أقمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه ومنه شهر إقماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما وهما الكانونان قال الزمخشري معنى
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ
[ يس : 8 ] فالأغلال واصلة إلى الأذقان مكروزة إليها جعل الضمير في فهي راجعا إلى الأغلال لظهور معنى السببية المستفاد من الفاء في
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
[ يس : 8 ] حينئذ ولم يرتض رجعه إلى اليد كما قالوا الخفاء معنى السببية حينئذ مع أن فيه ضربا من التعسف وهو الإضمار قبل الذكر .
هامش
( 1 ) أي بقائهم على الكفر إلى أن يموتوا . ( 2 ) بسبب إحداث هيئة في نفوسهم هيئة تمرن على حب الكفر والمعاصي والطبع إحداث تلك الهيئة . ( 3 ) وهذا بناء على أن ضمير فهي راجع إلى الأيدي كما في الكشاف مع الإشارة إلى ضعفه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 95 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر