تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم وأن النبوة رتبة روحانية تستدعي عظيم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية . قوله تعالى :

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 32 ]

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) قوله : ( حكمنا بتوريثه منك ) والتوريث وإن كان مستقبلا لكن حكمه ماض فعبر بالماضي فيكون مجازا مرسلا لأن الحكم بالتوريث سبب للتوريث فذكر المسبب وأريد السبب . قوله : ( أو نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه ) فيكون استعارة باعتبار الزمان وجهه ما ذكره المصنف قدم الأول لأنه يدل على أن التوريث بالحكم الأزلي وفيه تفخيم جسيم . قوله : ( أو أورثناه من الأمم السالفة ) فلا مجاز في
أَوْرَثْنَا
[ فاطر : 32 ] فالمراد بالكتاب إما القرآن وهو مختار البعض لقوله تعالى :
وَإِنَّهُ
[ الشعراء : 196 ] أي القرآن
لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 196 ] أي
لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 196 ] فيكون القرآن بهذا الاعتبار موروثا من الأمم السالفة لأمة محمد عليه السّلام لكنه ضعيف إذ معناه المتبادر وأنه أي القرآن لفي زبر الأولين أي ذكره مثبت فيها فالظاهر الجنس . قوله : ( والعطف على أن الذين يتلون والذي أوحينا إليك اعتراض لبيان كيفية التوريث ) والعطف أي على هذا الاحتمال الثالث الخ وأما على الاحتمالين الأولين فهو عطف على
الَّذِي أَوْحَيْنا
[ فاطر : 31 ] أو على أوحينا قوله :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا
والبصير الأمور الروحانية التي هي متعلقات الخيرة فتقديم الخبير للاهتمام بشأن متعلقه . قوله : حكمنا بتوريثه أو نورثه يريد أن الظاهر أن قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
[ فاطر : 32 ] عطف على أوحينا وكلمة ثم يقتضي تراخي الزمان وأن يقال نورثه على لفظ المضارع لأن توريث الكتاب من محمد صلوات اللّه عليه إنما يكون بعده ولما جيء بلفظ الماضي فلا بد له من تأويله على ثلاثة أوجه الوجه الأول أن المراد ثم حكمنا بتوريثه والوجه الثاني أن الماضي موضوع موضع المستقبل تنزيلا لما سيكون لتحقق وقوعه منزلة الكائن الواقع والوجه الثالث أن يكون هذه الآية متصلة بما سبق من قوله :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً
[ فاطر : 24 ]
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ فاطر : 24 ]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
[ فاطر : 25 ] فالمعنى ورثناه أي جعلنا موروثا لك من الأمم المتقدمة وحينئذ لا يكون معطوفة على أوحينا ويكون قوله :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ
[ فاطر : 31 ] الآية اعتراضا واقعا بين هذه الآية وبين ما هي متصلة به لبيان كيفية توريث كتابهم لمن بعدهم وأنه كان بطريق الوحي وعلى هذا الوجه يكون أورثنا ماضيا مجري على ظاهره ويمكن أن يحمل ثم على التراخي في الرتبة أيضا إيذانا بفضل هذا الكتاب العزيز سائر الكتب وفضل هذه الأمة على سائر الأمم .