الخشية والرجاء هدايته ومن يخذله ) وذكر القلوب الخ أي مع أنها لم تذكر أولا لتقدم الخشية التي محلها القلوب فقد ذكرت القلوب إما إشارة أو اقتضاء فذكرت هنا صريحا لعدم ذكر ما يغني عنه كأن يقال ثم تلين جلود الذين يرجون رحمته فاختير هنا التصريح للإيجاز وهناك اختير الإطناب للتفنن في الخطاب على أنه لا يحسن وصف القلوب بالاقشعرار وإن صح لبيان كمال الاضطراب
يَهْدِي بِهِ
[ الزمر : 23 ] أي بالهدى يفهم منه أن هدى بمعنى سبب الهداية أو بمعنى الدلالة على ما يوصف فيهدي أي يخلق اللّه تعالى هدايته بهذه الهداية الدالة على ما يوصل إلى البغية هذا إن أريد الكتاب وأما إذا أريد الكائن من الخشية الخ فكونه هدى اللّه بمعنى أثر هداه وهو لطفه وتوفيقه يهدي بهذا الأثر من يشاء من عباده وهو من صحب ذلك الأثر كذا في الكشاف والمعنى الأول يليق بالاكتفاء به لأنه مع ظهوره يناسب أول الآية مناسبة تامة وذكر
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
[ الزمر : 23 ] فمناسبته لأول الآية لأن المراد من قسا قلبه ولم يقشعر جلوده من وعيد الكتاب ولم يلين أيضا من وعده قوله ومن يخذله إشارة إلى أن معنى يضلل عدم التوفيق لانهماكه على التقليد .
قوله : ( يخرجهم من الضلال ) وإن كان له هاد يرشدهم إلى الصراط المستقيم كالنبي والقرآن العظيم .
قوله تعالى :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 24 ]
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 24 )
قوله : ( أفمن يتقي ) أي أمن يضل في الدنيا ولم ينتفع بالكتاب الكريم فيتقي بوجهه الذي هو أشرف أعضائه .
قوله : ( يجعله درقة بقي به نفسه لأنه يكون مغلولة يداه إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه ) درقة بفتحتين ترس من جلود يتقي به وفي كلام المص تشبيه بليغ أي بجعل وجهه درقة قوله يقي به نفسه إشارة إلى مفعوله المحذوف لأنه يكون الخ أي آلة الدفع اليدان لو لم يكن مغلولة كان يقصد الدفع بهما وإن لم يتحقق الدفع فلا يقدر أن يتقي أي أن يقصد الدفع إلا بوجهه وإن لم يحصل الاتقاء لكن الوجه لما كان أول ما مسه النار جعل كالترس في كونه أول مس الألم لكن يسلم باقي الأعضاء بسبب الترس بخلاف الوجه فإنه لا يدفع الأذى من سائر الأعضاء فهو نظير لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب .
قوله : بجعله درقة أي بجعل وجهه ترسا يحفظ به نفسه لضرورة أن يديه مغلولتان إلى عنقه وغالب ما بقي به الإنسان نفسه يداه فلما غلت يداه وعجز عن الاتقاء بهما جعل وجهه آلة الاتقاء فوجهه بمنزلة الترس لدفع السوء وليس ذلك إلا لغاية العجز وانسداد طرق الدفع والخلاص اللهم إني أعوذ بك من شرور نفسي وسيئات أعمالي اللهم بعدني بلطفك عن معصية تؤدي إلى جعل أشرف الأعضاء ترسا يحترس به عن إصابة السوء لأخسها .