تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
قوله تعالى :

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 2 ]

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 ) قوله : ( ملتبسا بالحق ) أي الباء للملابسة والمعنى ما أنزلنا إليك الكتاب إلا ملتبسا بالحق الذي يقتضي إنزاله أو بالحق يشتمل القرآن عليه من الأحكام الاعتقادية والعملية . قوله : ( أو بسبب اثبات الحق وإظهاره وتفصيله ) أشار إلى أن الباء يجوز أن يكون للسببية لكن بتقدير المضاف وهو الاثبات الخ إذ نفس الحق لا يكون سببا للانزال بل السبب اثباته وقطع النظر عن اثباته فهو مشتمل عليه وهو معنى الملابسة وهذا يغني عن اعتبار معنى السببية فإن ما هو ملابس له فهو ثابت جزما وهذا معنى الاثبات ولهذا قدم معنى الملابسة ورجحه وأظهر الكتاب في موضع المضمر على تقدير كون المراد به فيما مر القرآن إظهارا لشرفه ولكمال تقرره في الذهن ولتشريف النبي عليه السّلام ولتوصيفه بالحق المنفهم مما مر لأن المنزل من اللّه لا يكون إلا حقا وملابسا بالحق ولما كان المقصود الأصلي من الإنزال تكميل النفس وتكميل الغير فرع عليه قوله فاعبدوا اللّه ومن جملة العبادة أمر سائر المكلف بها لكونه رسولا فكان الأمر بعبادة اللّه متناولا لهما . قوله : ( ممحضا له لدين من الشرك والرياء ) هذا من قبيل التهييج على دوام الإخلاص بالنسبة إلى الرسول عليه السّلام على أن الأمر أيضا أمر بدوام العبادة بالنسبة إليه عليه السّلام . قوله : ( وقرىء برفع الدين على الاستئناف لتعليل الأمر ) برفع الدين على أنه مبتدأ وله قوله : ملتبسا بالحق أو بسبب إثبات الحق يريد أن الباء في الحق إما للمصاحبة وهو الوجه الأول أو للتسبب وهو الثاني قوله من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر وفي المطلع الإخلاص قصد العبد بعمله ونيته رضاء اللّه لا يشوبه شيء من غرض الدنيا قال الراغب الخالص كالصافي إلا أن الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه ويقال خلصه ومخلص ولذلك قال الشاعر :
خلاص الحمر من نسج الفدام
والفدام ما يوضع في فم الإبريق ليصفى ما فيه قال اللّه تعالى :
وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
[ البقرة : 139 ] وإخلاص المسلمين أنهم قد تبرؤوا مما يدعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث نعوذ باللّه قال اللّه تعالى :
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ الأعراف : 29 ] وحقيقة الإخلاص التعري عن كل ما دون اللّه وقال الشيخ العارف الإخلاص إخراج رؤية العمل من العمل والخلاص من طلب العوض عن العمل والنزول عن الرضى بالعمل . قوله : وقرىء برفع الدين على أن الدين مبتدأ خبره له قدم لتأكيد الاختصاص فإن أصل الاختصاص حاصل من اللام بدون التقديم في الدين له فأريد تأكيد ذلك الاختصاص فقدم الخبر عليه وجملة
لَهُ الدِّينَ
[ الأعراف : 29 ] استئناف لتعليل الأمر بالعبادة للّه كأن سائلا قال ما علة الأمر بالعبادة له فقيل له الدين أي لاختصاص الدين له كما صرح به مؤكدا في قوله :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
[ الزمر : 3 ] أي مؤكدا بتأكيد الاختصاص وكلمة التنبيه وفي الكشاف وحق من رفعه أن يقرأ مخلصا بفتح اللام كقوله وأخلصوا دينهم للّه حتى يطابق قوله :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ