قوله : ( يسرعون وقرىء بالضم ) يسرعون أي في الخروج وإن كانوا قائمين في قبورهم بعد الخروج منها فلا منافاة بينه وبين قوله تعالى :
فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
[ الزمر : 68 ] أي قائمون في قبورهم أو يسرعون في المشي فح التوفيق بينهما هو أن المراد بالقيام التوقع قال المصنف هناك أو متوقعون فلا منافاة بين المشي بسرعة والتوقع ما يفعل بهم وقيل لا منافاة بينهما لأن التقارب بين الزمانين يجعلهما كالواحد قال الإمام لفظ الرب أحسن ما يكون لأن من أساؤوا واضطروا إلى من أحسن إليه يكون أشد ألما وأكثر ندما من غيره انتهى هذا بالنسبة إلى الكفار وأما سرعة الإخبار فلأن نيلهم إلى ما اشتاقوا إليه يكون من آثار التربية .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 52 ]
قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 )
قوله : (
قالُوا يا وَيْلَنا
وقرىء يا ويلتنا ) قالوا استئناف ولذا ترك العطف يا ويلنا نادوا الهلاك لما فيه من الشدة العظيمة فنزل الويل والهلاك منزلة العقلاء أي يا ويلينا تعال فإن هذا أوانك .
قوله : ( من بعثنا ) لكمال حيرتهم سئلوا من الباعث مع علمهم بأنه تعالى : مرقد يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الرقاد وأن يكون اسم مكان فهو مفرد أقيم مقام الجمع والأول أحسن لأن المصدر مفرد مطلقا كذا نقل عن المغرب وكونه اسم مكان أقرب معنى .
قوله : ( وقرىء من أهبنا من هب من نومه إذا أنبته ومن هبنا بمعنى أهبنا ) وقرىء من أهبنا بدل من بعثنا قوله ومن هبنا بمعنى أهبنا أي هب من الثلاثي قد يكون متعديا كما يكون لازما كما سبق حيث قال من هب من نومه إذا انتبه وهنا بمعنى نبهه وأيقظه ونقل عن ابن جني أنه لم أر له أصلا إلا أن يكون على الحذف والإيصال وأصله هب بنا وميل الكشاف إلى الأوّل حيث قال وعن بعضهم أراد هب بنا فحذف الجار وأوصل الفعل .
الجدف القبر وهو إبدال الجدث قال الفراء العرب تعقب بين الفاء والثاء في اللغة فيقولون جدث وجدف وهي الأجداف والأجداث .
قوله : يسرعون من نسل في العدو ينسل نسلا ونسلا أي أسرع .
قوله : وقرىء من هبنا بمعنى من أهبنا قال ابن جني من هبنا قراءة أبي بن كعب من أهبنا بالهمز عن ابن مسعود وهي أقيس ويقال هب من نومه أي انتبه وأهيبته أنا أي نبهته وأما هبني بمعنى أيقظني فلم أر لها أصلا ولا مرئيا في اللغة مهبوب بمعنى موقظ اللهم إلا أن يكون حرف الجر محذوفا أي هب بنا أي أيقظنا ثم حذف وأوصل الفعل وليس معنى من هبنا هببنا معه وإنما معناه من أيقظنا كما أن قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] ليس معناه أنه تعالى ذهب وذهب نورهم معه بل أذهب نوره فذهب به كأذهبه أي أزاله فاعرف ذلك إلى هنا كلامه قوله وفيه ترشيح ورمز أي في التعبير بالهب الذي هو بمعنى الإيقاظ ترشيح لاستعارة الرقاد للموت لأن الإيقاظ لا يلائم المستعار منه وهو النوم ورمز إلى أن الموت كالرقاد .