الكلام عن المبالغة فيما قصد المبالغة مستنكر لدى أهل البلاغة ولم يلتفت إلى كونها منصوبة بغير فعلها مثل انظروا أو اسمعوا « 1 » لأنه خلاف الظاهر .
قوله : ( وقرىء يا حسرة العباد بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول ) إلى الفاعل وهو الظاهر لفظا لأنه لا يحتاج « 2 » إلى تقدير بخلاف الإضافة إلى المفعول فإنه بواسطة الحرف لأنه لا يتعدى بنفسه لكنه هو الموافق للقراءة المشهورة في كون العباد متحسرا عليهم بخلاف الإضافة إلى الفاعل فإن المتحسر بكسر السين هو العباد فيخالف القراءة المتواترة فالاحتمال الثاني هو الراجح معنى فلو قدمه لكان أحسن .
قوله : ( ويا حسرة على العباد بإجراء الوصل مجرى الوقف ) ويا حسرة أي وقرىء يا حسر بالهاء كما في الوقف بإجراء الوصل مجرى الوقف روما للاختصار .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 31 ]
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 )
قوله : ( ألم يعلموا وهو معلق عن قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
[ يس : 31 ] ) قوله : وقرىء يا حسرة العباد بالإضافة إلى الفاعل كقولك يا قيام زيد ويا جلوس عمرو كان العباد إذا شاهدوا ذلك تحسروا .
قوله : أو إلى المفعول أي يتحسر عليهم من يعينه أمرهم ويهمه ما يهمهم ويقوى الوجه الأول وهو أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله قول صاحب المطلع ما يأتيهم من رسول كالبيان لسبب حسرتهم كأنه قيل ما سبب تحسرهم فقيل استهزاؤهم بالرسل والقراءة بالإضافة تدل على هذا المعنى إلى هنا كلامه .
قوله : ويا حسره على العباد بإجراء الوصل مجرى الوقف أي قرىء يا حسره ساكنة الهاء قال ابن جني قرأ الأعرج ومسلم بن جندب يا حسره ساكنة الهاء ففيه نظر لأن قوله على العباد متعلق بها أو صفة لها فلا يحسن الوقف عليها دونه إلا أن يقال إن العرب إذا أخبرت عن شيء غير معتد به ولا معتبر عليه أسرعت فيه ولم تتأن على اللفظ المعبر عنه قال قلت لها قفي فقالت لي قاف أي وقفت فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الإجابة أو إن على العباد غير متعلقة بيا حسره بل بمضمر يدل عليه حسرة كأنه قيل انحسر على العباد .
قوله : وهو معلق عن قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا
[ يس : 31 ] والتعليق من خصائص أفعال القلوب وفعل الرؤية منها والمعنى ألم يعلموا فعلق ههنا بالاستفهام المستفاد من لفظ كم بحسب أصل الوضع وإن استعملت ههنا مجردة عن معنى الاستفهام فلا يعمل ألم يروا فيما بعدكم إلا أن معناه نافذ في جملة
كَمْ أَهْلَكْنا
[ يس : 31 ] كما نفذ في قولك ألم يروا أن زيدا المنطلق وإن لم يعمل في لفظه قال الزجاج موضع كم نصب بأهلكنا لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها خبرا كان أو استخبارا يقول في الخبر كم فرسخ سرت تريد سرت فراسخ كثيرة ولا يجوز سرت كم فرسخ وذلك إن كم
هامش
( 1 ) فحينئذ يكون حسرة مفعول به .
( 2 ) كما صرح به الشيخ عبد القاهر في قول الخنساء وإنما هي إقبال وإدبار .