قوله : ( وليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق بل هو من مقدر مدلول به عليه ) جواب عما تمسك به من جواز تأخيره من الآية على تفسيره بأنه أمر فيها بالمشيئة بعد أيام والحديث المذكور فيه أنه قال إن شاء اللّه بعد نزولها فهو دال أيضا على ذلك فأجاب بأن المشيئة المذكورة فيهما ليست مقيدة للقول السابق وهو أخبركم غدا بل هو أي إن شاء اللّه مستثنى من أمر مقدر مدلول به عليه تقديره كلما نسيت ذكر اللّه اذكره حين التذكر إن شاء اللّه أو أقول إن شاء اللّه إذا قلت إني فاعل ذلك فيما بعد والقرينة على ذلك عدم استقامة ذلك الاستثناء من القول السابق .
قوله : ( ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه ) جواب آخر للتمسك المذكور لكن لعدم ظهوره أخره إذ المتبادر ذكر المشيئة إذ الكلام فيها قوله مبالغة في الحث عليه إما في التسبيح فلأنه قد يذكر في مقام التعجب والمعنى واذكر ربك بالتسبيح فقل سبحان اللّه تعجبا من تركك إن شاء اللّه والتعجب من تركه يشعر بأنه لا ينبغي الترك والاستغفار يشعر بأن الترك ولو نسيانا ذنب مع أن الخطأ والنسيان معفوان لترك التحفظ عن أسباب النسيان ولعله وإن حط عن الأمة لم تحط عن الأنبياء عليهم السّلام لعظم قدرهم كذا قاله في قصة آدم عليه السّلام في سورة البقرة .
قوله : ( أو اذكر ربك وعقابه ) الأولى عقابه لأنه إشارة إلى تقدير مضاف أي اذكر عقاب ربك .
قوله : ( إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك ) ما أمرك به أمر وجوب أو ندب فالخطاب حينئذ وإن كان له عليه السّلام لكن المراد أمته .
قوله : من الناسي به أي من الذي نسي به وفي الكشاف والظاهر أن يكون المعنى إذا نسيت شيئا فاذكر ربك عند نسيانه أي بأن تقول عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشدا وأدنى خيرا ومنفعة ولعل النسيان كان خيره كقوله :
أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[ البقرة : 106 ] .
قوله : ويجوز أن يكون المعنى إلى آخره ضبط الوجوه الأربعة الذي ذكرها أن قوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] إما أن يكون متعلقا بما قبله أو لا يكون بل هو كلام مستأنف فإن تعلق بما قبله فله احتمالان فالاحتمال الأول أن يكون المعنى إذا نسيت إن شاء اللّه فاذكره وهذا يفيد جواز تأخير الاستثناء وانفصاله وبظاهره تمسك ابن عباس رضي اللّه عنه والاحتمال الثاني أن يكون معناه إذا نسيت الاستثناء فاستغفره وهو من باب التشديد والتغليظ كان ترك الاستثناء ذنب يجب أن يستغفر منه وإليه الإشارة بقوله مبالغة في الحث على الاستثناء وأما على أن لا يكون متعلقا به قبله بل هو كلام مستأنف ففيه قولان أحدهما أن يقدر مفعول نسيت وهو المراد بقوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ
[ الكهف : 24 ] وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به والثاني أن لا يقدر له مفعول بل جعل بمنزلة اللازم وهو المراد بقوله أو اذكره إذا اعتراك النسيان .
قوله : أو أدنى خيرا من الناسي به أي من الذي نسي هو به فالضمير في به راجع إلى الألف واللام في الناسي فالمراد بالناسي به المنسي وفي بعض النسخ خيرا من المنسي وهو ظاهر .