تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
والنظم الكريم دال عليه اقتضاء ( وعن ابن عباس ولو بعد سنة ما لم يحنث ولذلك جوز تأخير الاستثناء عنه ) . قوله : ( وعامة الفقهاء على خلافه لأنه لو صح ذلك لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ) لاحتمال أنه بعده ولو سنة أن يقول إن شاء اللّه فيبطل إقراره وطلاقه وعناقه وغير ذلك مما يبطل بالتعليق بالشرط . قوله : ( ولم يعلم صدق ولا كذب ) أي في الإخبار عن الأمور المستقبلة دون الماضي والحال وعدم ظهور الكذب واضح لأنه إذا قال أفعل كذا أو لا أفعل كذا يحتمل تعليقه بالمشيئة بعده وكذا اليمين المنعقدة وأما عدم الصدق فلكونه غير متحقق فلا يعلم الصدق أيضا فحينئذ يرتفع الأمان في البيان ولا يدري أن القائلين بجواز تأخير الاستثناء كيف يتخلصون عن هذا الإشكال وهو المروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وقيل وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد رحمهما اللّه تعالى وقال الإمام الخنصري في كتاب الخصائص إن من خصائصه عليه السّلام أنه كان له أن يستثني بعد حين بخلاف غيره فيجوز الفصل للنبي عليه السّلام دون غيره ففي المسألة ثلاثة أقوال منع الفصل مطلقا وجوازه مطلقا وجواز الفصل للنبي عليه السّلام دون غيره والأول هو المختار لما مر . قوله : وعن ابن عباس الخ اعلم أن قولك إن شاء اللّه كلمة استثناء لأنه عبر عنها بقوله
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 24 ] ثم اختلفوا في أن الاستثناء هل يجب أن يكون متصلا لما قبله في اللفظ فذهب ابن عباس ومن تبعه إلى أنه لا يجب مستدلا بقوله
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] لأن الظاهر أن المراد إذا نسيت إن شاء اللّه فاذكره إذا تذكرت وقوله واذكره غير مختص بوقت معين فيجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل الذكر ولا يجب عليه هذا الذكر إلا لرفع الحنث أو لرفع ارتكاب الكذب وذلك يفيد المقصود وأما الفقهاء فقالوا لو صح ذلك لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب ولزم أن لا يستقر شيء من العهود والإيمان يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة هذا يرجع عليك فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن المنصور كلامه ورضي عنه قال الإمام حاصل الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه وأيضا فلو قال إن شاء اللّه على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي ثم قال والأولى أن يحتج على وجوب كون الاستثناء متصلا بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد قال تعالى :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة : 1 ] وقال
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
[ المائدة : 1 ] فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئا فهو جار مجرى نصف اللفظة الواحدة فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة وعلى هذا التقدير إذا لم يكن متصلا فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم هذا يعني إذا كان الاستثناء متصلا لا يحصل الالتزام فلذا لم يجب عليه الوفاء بمقتضاه .