لكونه خشبا يعلو الماء ويدفعه الموج والظاهر أن نسبة القذف والإلقاء إلى موسى عليه السّلام حقيقة لأن الإلقاء والقذف وقعا له بالفعل ولو بواسطة التابوت لأن الإلقاء المتعلق بالظرف مستلزم لإلقاء ما فيه حتى يترتب عليه حكم الإلقاء مثل لزوم الضمان ونحوه وكون ما هو بالعرض مجازا إذا لم يتصف بالفعل المسند إلى ما هو « 1 » بالذات وهنا ليس كذلك .
قوله : ( جواب فليلقه وتكرير عدو للمبالغة أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار التوقع ) للمبالغة ووجه المبالغة في التكرير يدل على أن عداوته كثيرة متعلقة بكل من الرب وموسى على حدة لا واحدة متعلقة قوله أو لأن الأول باعتبار الواقع الخ فلا تكرار والتعبير بعدوله مجاز أولي وإطلاق التكرير في الأول صوري ولو لم يكرر لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند المص وعندنا بارتكاب عموم المجاز .
قوله : ( قيل إنها جعلت في التابوت قطنا ووضعته فيه ثم قيرته وألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجها فأحبه حبا شديدا كما قال :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
[ طه : 39 ] ) ثم قيرته أي طلته بالقير لئلا يدخل الماء فيه فيتضرر به موسى عليه السّلام والبركة بكسر الباء الموحدة وسكون الراء المهملة مجتمع الماء بدون بناء والحوض ما بني منه في أكثر الاستعمال فأمر به أي بإخراجه بقرينة فأخرج ففتح وجه موسى فإذا هو إذا للمفاجأة .
قوله : ( أي محبة كائنة مني ) والجار والمجرور صفة .
قوله : ( قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون ) وزرعها استعارة لطيفة في إيجادها قوله بحيث لا يكاد يصبر الخ وهذا منفهم من التقييد بقوله مني وإلا فكل شيء منه تعالى إيجادا وإظهارا فعلى هذا إن الملقى محبة العباد له عليه السّلام .
قوله : ( ويجوز أن يتعلق مني بألقيت أي أجبتك ) فيكون ظرفا لغوا فالملقى محبة اللّه تعالى ومحبة اللّه تعالى عبارة عن رضائه فيكون مجازا ولذا أخره وأيضا الإلقاء يلائمه المعنى الأول فإنه رمي وطرح فيكون محبة العباد له عليه السّلام ملقاة أي مرمية رميا معنويا من اللّه تعالى ولهذا قال أي أجبتك فيكون
أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
[ طه : 39 ] كناية عن حبه تعالى ومن أحبه اللّه تعالى جواب سؤال بأن المراد هنا محبة العباد لا سيما محبة فرعون فأجاب بما ترى .
قوله : ( ومن أحبه اللّه أحبته القلوب ) كما ورد في الحديث الصحيح وقد نقله المص قوله : وقيرته من القير بكسر القاف أي زفتته .
هامش
( 1 ) كنسبة الحركة إلى جالس السفينة فإنه مجاز إذ لا حركة له .