قوله : ( يعني وصيته بأن لا يعترض عليه ) تفسير لما على الاحتمالين الضمير راجع إلى الخضر ووصيته قوله :
فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ
[ الكهف : 70 ] الآية أي لا تؤاخذني بما نسيت إذ لا مؤاخذة على الناسي قوله :
أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ
[ الكهف : 72 ] الخ وإن كان تذكيرا فهو مؤاخذة حقيقة قوله بأن لا يعترض تفسير لعدم المؤاخذة .
قوله : ( أو بنسياني إياها وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها ) أي ما مصدرية فيستغنى عن تقدير الضمير في نسيت اخره وفصله عن احتمال الموصولية لأن المؤاخذة على المنسي لا على النسيان لكنه لما كان سببا له جوز كون المؤاخذة به مع الإشارة إلى ضعفه فعلى هذا الباء للسببية وقيل كونها للملابسة متعين هنا ولعل وجهه أن المؤاخذة بالمنسي ملابسا بالنسيان وجوز السببية لأن النسيان سبب بعيد للمؤاخذة والباء في الموصولية صلة لأنه يتعدى بها لا للسببية كذا قيل وفيه ما فيه .
قوله : ( وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة ) أي مجازا مرضه لأنه لا فائدة فيه إذ النسيان يستلزم الترك قوله أول مرة قيد الترك فعلى هذا لا يكون اعتذار بالنسيان بأنه ليس بمقدور له بل يكون اعتذار بأن تركه أول مرة وكونه اعتذارا محل تأمل ويظهر منه وجه آخر لتمريضه .
قوله : ( وقيل إنه من معاريض الكلام ) جمع معراض والمراد به هنا ايهام خلاف المراد لأنه أبرزه في صورة النهي وليس بمراد نقل عن الكشف أنه قال فعلى الأول كان موسى عليه السّلام قد نسي وصيته حقيقة وعلى هذا نهاه عن مؤاخذته بالنسيان موهما بأن ما صدر منه عن نسيان ولم يكن وإنما صار إليه لأن المؤاخذة به لا تصدر عن الأنبياء عليهم السّلام فلا يحتاج إلى النهي وعلى الأول وجهه أنه نهى عن مؤاخذته بقلة التحفظ حتى ينسى قيل والتعريض وإن حصل بقوله نسيت إلا أنه أبرز في صورة النهي تفاديا عن الكذب فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية لكنه أوهم أنها المنسية ولا يخفى عليك أن قوله : وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه المعاريض جمع معراض بمعنى التعريض الذي هو ضد التصريح وفي الأساس عرفت ذلك من معراض كلامه وفي الكشاف أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي ليبسط عنده في الإنكار وهو من معاريض الكلام التي تتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض كقول إبراهيم عليه السّلام هذه أختي وإني سقيم تم كلامه والفرق بين التعريض والكناية أن التعريض مضمون الكلام دلالة ليس فيه ذكر كقولك ما أقبح البخل تعرض بأنه بخيل والكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف كقولك فلان طويل النجاد والمراد أنه طويل القامة فلعل موسى عليه السّلام قصد بقوله هذا أن يوهم الخضر عليه السّلام أنه قد نسي وصيته التي وصى بها قبل ومراده أنه نسي شيئا آخر مما نسيه ومراده من هذا الإيهام بسط العذر عند الخضر عليه السّلام مع التوقي عن الكذب بإرادة شيء آخر من منسياته ليتوصل بذلك إلى مقصوده وهو تعلم العلم منه من غير أن يكون متهما عنده بمخالفة وصيته .