فلا منافاة آخره مع تقدمه في النظم لمناسبته بالبصر في عدم الإدراك بهما ما يستلذ به وأما لتقديم في النظم فلاختبار صنعة الترقي إذ آفة السمع أشد من آفة اللسان وآفة اللسان أشد من آفة البصر وأما في سورة البقرة حيث جاء
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] « 1 » فلاختيار التنزل وأما البكم فقد وسط في الموضعين لأنه لازم للصمم فلا يفارقه في الذكر فلا تغفل .
قوله : ( ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤد في القوى والحواس ) ويجوز أن يحشروا فهذا الحشر بمعنى الجمع بقرينة بعد الحساب وفي الأول بمعنى جمعهم في الموقف بالبعث من القبور فعلى هذا يكون الصفات على حقيقتها آخره مع أنه حقيقة إذ الأول مناسب للسوق وأيضا الثاني ثبوته بطريق الجواز والاحتمال حتى قيل إن ذلك عند قيامهم من قبورهم ثم ترد لهم الحواس فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون إذا سئلوا وبالجملة كونهم مؤفي القوى يخالف أكثر النصوص .
قوله : ( سكن لهبها بأن أكلت لحومهم وجلودهم ) سكن لهبها أي اشتعالها إما بتقدير المضاف وهو اللهب أو مجاز في الإسناد قوله بأن أكلت جلودهم أي سكون لهبها بفناء وقودها وهو جلودهم ولحومهم والأكل مجاز عن الإفناء والإعدام بالكلية أو عن الإحراق فجعلتها كالفحم والأول هو الملائم للأكل .
قوله : ( توقدا ) نبه به على أن السعير ليس باسم جهنم هنا بل فعيل مأول بالمصدر وإنما قبل زدناهم دون ودناها بناء على أنهم وقودها قال تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ البقرة : 24 ] .
قوله : ( بأن تبدل جلودهم ولحومهم وتعود ملتهبة مستعرة بهم ) غيرها بأن يعاد تلك الجلود واللحوم بعينها على صورة « 2 » أخرى واختار المص هذا هنا وذكر في تفسير قوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ
[ النساء : 56 ] الآية وجهين آخرين فقال أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب وقيل يخلق مكانه جلدا آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها فلا محذور قوله فتعود أي الجلود واللحوم مشتعلة بهم وهذا معنى زدناهم توقدا فالزيادة بالنسبة إلى سكون لهبها .
قوله : ( كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاؤهم بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء وإليه أشار بقوله :
قوله : مؤفي القوى والحواس فعلى هذا كان العمى والبكم والصم على الحقيقة بخلاف الوجه الأول فإنه على التجوز والاستعارة المصرحة حيث شبهوا بالعمى والبكم والصم فاستعمل في المشبه ما هو موضوع للمشبه به قوله مستعرة من استعرت النار وتسعرت أي توقدت .
قوله : كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الافناء الخ يعني كان جزاؤهم على وفق حالهم في الاعتقاد ومشاكلها .
هامش
( 1 ) وترك العطف في موضع واختيار العطف في موضع آخر يعرف وجهه بالتأمل .
( 2 ) لئلا يلزم إعادة المعدوم بعينه كذا قالوا وهذا ملتزم عند بعض المتكلمين .