جواز تقديم الفاعل المعنوي صاحب التلخيص « 1 » فالأولى كون منشأ الاختصاص كونه في صورة المبتدأ والخبر اعتبره لأن قوله إذا لامستكم الخ ترتبه عليه بملاحظة القصر ولولاه لا يتضح الحصر ومثل هذا يقال فيه الحصر مستفاد من الفحوى لكن الشيخ الزمخشري اختار كون الحصر من تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي بحسب الصورة ورضي به المص نظيره جواز المناقشة على السند لكونه في صورة الدليل فيكون صورة التقديم كالتقديم معنى في إفادة القصر حسبما يقتضيه المقام فليكن هذا قاعدة مستفادة من كلام صاحب الكشاف كسائر القواعد المستنبطة من كلامه فاعتبار سائرها دون هذه تحكم بحت ولم ينقل من القدماء خلافها غايته كلامهم ساكت عن ذلك نفيا وإثباتا .
قوله : ( لبخلتم ) أي الإمساك كناية عن البخل لكونه لازما لا له إذ المعنى لامستكم خزائن رزقه وسائر نعمه عن الإنفاق بقرينة ما بعده لا مطلق الإمساك .
قوله : ( مخافة النفاد بالإنفاق ) الإنفاق والإنفاد إخوان خلا أن في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول فيمكن حمل كلام المص عليه فلا حاجة إلى أن يقال إنه أشار إلى أن في الكلام حذف المضاف واختار أرباب الحواشي الثاني بناء على أن الإنفاق بمعنى صرف المال قال في الكشاف أنه لا يقدر له مفعول لأنه بمعنى بخلتم فمنهم من حمله على التنزيل منزلة اللازم ومنهم من جوز فيه التضمين ومنهم من قال إنه مجاز فيه « 2 » وما ذكر في الوسط هو الخير والمضمن لا يقدر له مفعول والمضمن فيه يقدر له مفعول كيف لا واستفادة معنى البخل من الإمساك إنما هو بتقدير كما قررناه وإلا فالإمساك عام عن الإمساك عن التلف والسرف وغيره .
قوله : لبخلتم يعني أن الإمساك هنا كناية عن البخل ويجوز أن يضمن الإمساك معنى البخل فلا يكون من باب الكناية بل من باب التضمين قوله فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود اللّه وكرمه هذا أي خذ هذا قوله وإن البخلاء أغلب فيهم عطف على إذ لا أحد إلا يختار أي ولأن البخلاء أغلب فيهم يعني أن المراد بالامساك البخل لأنه لا أحد إلا يختار النفع لنفسه إلى آخره أو لأن البخل أغلب فيهم فهو قرينة لأن يراد بالإمساك هنا البخل قوله الثابتة في الشرائع صفة الأحكام العامة أي المراد بالآيات في قوله عز وجل في تسع آيات هي الأحكام الثابتة في الشرائع أي الثابتة الغير المنسوخة في شريعة من الشرائع وسميت تلك الأحكام بالآيات لأنها تدل يعني معنى الآية العلامة وسميت تلك الأحكام بالعلامة لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلق تلك الأحكام في الآخرة من السعادة والشقاوة فإن تعاطى وقبل موجبات تلك الأحكام ومقتضاها وكف النفس عما نهى بها فهو سعيد وإلا فشقى قوله وعليكم اليهود خاصة أن لا تعدوا حكم مستأنف زائد على الجواب يعني هذا الحكم خارج عن التسع التي سئل عنها ولذا غير الأسلوب عن ستة السابق .
هامش
( 1 ) وأيضا كونه فاعلا معنويا منظور فيه لأن فاعلا لفظا والاتحاد بالذات لا يفيد .
( 2 ) ومنه يعلم قاعدة وهي أن المتعدي إذا جعل مجازا عن فعل لازم يجوز أن يكون لازما مثله كذا قيل والمتعدي ما دام باقيا في معناه لا يكون لازما وإذا جعل مجازا عن لازم يكون لازما ما هو مجاز عنه أي باقيا على كونه لازما لا نفسه يكون لازما فلا تغفل .