الاستقراء التام مشكل والاستقراء الناقص غير مفيد لليقين ودفع بأن الاستقراء وإن كان ناقصا لكن مع وقوف العلة يفيد اليقين فلا يقال إنه من الجائز أن بعض الأفراد من النار مثلا لا يكون حارة وإن لم نشاهدها .
قوله : ( فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية إنما هو من الضروريات المستفاد من إحساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما ) للمعارف النظرية أي التصورية والتصديقية إنما هو من الضروريات إما ابتداء أو انتهاء بقي أن العلم بالبديهي مما لا يستفاد من الإحساسات الجزئية غير مستفاد من الحس مع أنه معلوم لنا كالوجدانيات والتجربيات والحدس فانحصار العلم بما يتعلق به الحس محل تأمل والجواب أن الوجدانيات والتجربيات راجعة إلى الحس فإن الأول من المدرك بالحواس الباطنة وقد ذهب بثبوت الحواس الباطنة بعض المتكلمين والثاني مما يدرك بتكرر المشاهدة مثلا والحدس لصاحب القوة القدسية والكلام بالنسبة إلى أوساط الناس بقرينة قوله فإن اكتساب المعارف الخ ولا كسب لصاحب القوة القدسية وقيل وكون الضروريات مستفادة من الإحساس فأكثري وهو كاف في اثبات المقصود فمعنى قوله من فقد حسا فقد فقد علما مستفاد منه ولا يخفى أنه قليل الجدوى « 1 » وخلاف الفحوى .
قوله : ( ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ) سواء كان ظاهرا أو باطنا إما لكونه غير محسوسا أو محسوسا لكنه منع مانع من إحساسه فلا يدرك جزئياتها ولا كلياتها المستفادة من الجزئيات فإذا لم يعلم ضرورياتها لا يمكن اكتساب العقل المعارف النظريات المكتسبة من تلك الضروريات فيكون غير المعلوم أكثر من المعلوم لنا كما نطق به النظم الجليل .
قوله : ( ولا شيئا من أحواله المعرفة لذاته ) المعرفة صفة للأحوال والتعريف شامل للحد تاما أو ناقصا وللرسم أيضا كذلك مراده أن أكثر الأشياء لا يدرك بالحس بنفسه ومع ذلك لا يدرك أيضا أحواله المعرفة له حتى يدرك بهذا الطريق فلا سبيل لنا إلى معرفته أصلا وأما التمييز بين الذاتيات والعرضيات هل يحصل بالحس أم لا فلا تعرض له في كلام المصنف والاشكال بأنا لا نسلم أن بالحس يحصل التميز بين الذاتيات والعرضيات من فضول الكلام وقد صرح العلماء برمتهم أن التمييز بين الذاتيات والعرضيات في الحقائق الموجودة متعسر بل متعذر فكيف يقال إن المصنف ادعى التمييز المذكور بالحس أو أشار إليه ثم منع ذلك .
هامش
- العلم بها مما ذكره قدس سره فإنه سبب إدراك الجزئيات يدرك مشاركة الأشياء ومباينتها فيحصل للنفس قضايا موجبة أو سالبة نحو كل ثلج أبيض ولا شيء من النار يبارد ثم ترتبها على قوانين الاكتساب فيؤدي إلى المطلوب التصديقي وأما العلم بذاتيتها وعرضيتها فلا يحصل بالإحساس بل باعتبار الأئمة أن شيئا ذاتي لفلان جنسا أو فصلا وأن شيئا آخر عرضي له فيقدم الجنس بناء على هذا الاعتبار هذا في الأمور الحقيقية وأما في الأمور الاعتبارية فالأمر سهل .
( 1 ) إذ لا ريب في فقدان العلم بسبب فقدان ما هو وسيلة إليه سواء كان حسا أو غيره .