قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 16 ]
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 )
قوله : ( وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم ) أوله بالإرادة المذكورة بالتعلق وأراد بالتعلق قرب التعلق « 1 » فهو من المجاز الأولى وإنما احتاج إليه لأن الجواب وهو أمرنا مترفيها قبل تعلق الإرادة فأول بالقرب والأمر بمترفيها يترتب على قرب التعلق وبعده فالمراد حادث ولا يناسب هنا تعلق قديم على أن القول يقدم التعلق قول بعض المتكلمين وهو كاف في وجود الفعل وتحقق تعلق حادث للإرادة بعد تعلق قديم لا يعرف له قائل من الأئمة .
قوله : ( لإنفاذ قضائنا السابق ) أشار به إلى أن تعلق الإرادة وقربه بإهلاك قوم لقضائنا السابق على الإرادة والقضاء بسبب علمنا أنهم اختاروا الضلالة على الهدى بإرادتهم الجزئية فلا يكون إرادة إهلاكهم ابتداء فيتوسل إليه بأن يحملهم على الفسق فيهلكهم .
قوله : ( أو دنا وقته المقدر كقولهم إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة ) أي الإرادة « 2 » مجاز عن دنو وقته إذ تعلق الإرادة يلزمه دنو وقته المقدر إذ المراد لا يتخلف عن إرادته تعالى بل يقع معه فأطلق الملزوم وأريد اللازم بقرينة أمرنا مترفيها لكن لا يلائم إذا أردنا بنون المتكلم والقرب في المثال المذكور للفاعل المذكور للفاعل وهنا ليس كذلك إلا أن يقال إن المعنى وإذا أردنا أن نهلك قرية فأرادت القرية هلاكها أي دنا وقته المقدر أو وإذا أردنا أي قربناه والكل خلاف الظاهر ولعل لهذا أخره على أن المعنى الأول يلزمه إذ دنو الوقت يستلزم دنو التعلق فالاكتفاء بالأول هو الأولى .
قوله : ( متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم ويدل على ذلك ما قبله وما قوله : أو دنا وقته فكأنه قيل وإذا دنى وقت اهلاك قرية أمرنا مترفيها ثم استشهد على مجيء أراد بمعنى دنو الوقت بقولهم أراد المريض أن يموت بمعنى دنى وقت موته إذا ازداد مرضه .
قوله : متنعميها بالطاعة هذا اختيار منه على أن المأمور به المقدر وهو الطاعة ولما احتاج الحذف والتقدير إلى دليل دل على خصوص المقدر قال ويدل على ذلك ما قبله وما بعده وأما قبله فهو قوله عز وجل :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] فإن معناه وكنا معذبين على المعصية حتى نبعث رسولا يأمر بالطاعة ويعصى المكلف بترك المأمور به وأما ما بعده فهو قوله تعالى :
فَفَسَقُوا
[ الإسراء : 16 ] فقوله فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة بيان لدلالة ففسقوا على الطاعة وهذا الوجه لا يرتضيه صاحب الكشاف حيث قال فإن قلت هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا قلت لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه وذلك أن المأمور به وإنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت
هامش
( 1 ) بقرينة قوله أردنا وقته فإن دنو الوقت يستلزم قرب تعلق الإرادة كما بيناه في أصل الحاشية .
( 2 ) لأنه لا يظهر فائدة تعلق الإرادة مرتين بخلاف العلم فإن تعلقه قديم متعلقه أن الشيء سيوجد وحادث متعلقه أنه قد وجد الآن أو قبل وهذا لا يظهر في الإرادة وسائر الصفات ما عدا العلم .