تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
قوله : ( روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين ووجئ بحربة في قبلها وقالوا إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل يا رسول اللّه إن عمارا كفر فقال كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يبكي فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمسح عينيه فقال ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) هذا الحديث أخرجه ابن حجر على اختلاف في طرقه وألفاظه وسمية بالتصغير أم عمار ووجئ بصيغة المجهول وفي آخره همزة بمعنى طعن والجار والمجرور نائب الفاعل أو المعنى وقع الوجاء والطعن بحربة على التضمين ووجه الطعن في قبلها للزيادة في التعذيب أو لزعمهم أنها الفاجرة الزانية ولذا قالوا إنك أسلمت من أجل الرجال أي من أجل قربانهم ومجامعتهم وهما أول قتيلين في الإسلام أي لإسلامه والظاهر أول المقتولين في الإسلام وأعطاهم فيه مجاز لطيف حيث أراد بالإعطاء التكلم بكلمة الكفر تنبيها على أن التكلم المذكور ليس يتكلم صادر من الفؤاد وهو إنما تكلم باللسان من غير تجاوز إلى الجنان إعطاء له لأهل الطغيان وفداء لنفسه بإعطاء اللسان قوله عليه السّلام ملىء إيمانا كناية لطيفة واستعارة تمثيلية فكن على بصيرة فقال عليه السّلام ما لك تبكي أي لأي شيء تبكي فلا تبك على ما فعلت حتى إن عادوا لك بإكراه تكلم كلمة الكفر فعد إلى طمأنينة القلب وثباته بما قلت أي بسبب ما قلته من كلمة الكفر وليس الباء صلة لعد حتى يقال وفي الهداية أي فعد إلى طمأنينة القلب فقيل لعله لم يصل إليه رواية بما قلت على أن القول يطلق على المعنى أيضا ولو مجازا وإنما لم يفسر بإجراء كلمة الكفر لأن أدنى درجات الأمر الإباحة فيلزم أن يكون إجراء كلمة الكفر مباحا وقت الإكراه وليس كذلك لأن الكفر مما لا تزول حرمته لكونه قبيحا في نفسه إلا أن يقال إن أدنى درجات الأمر الترخيص وهو لا يقتضي الإباحة كما نقل عن الإمام النسفي فيصح معنى عد إلى إجراء الكلمة المذكورة لكن ما اختاره صاحب الهداية أسلم لأن كون الأمر للترخيص غير متعارف والأمر في اليمين بالحنث على ما هو خير كونه للترخيص غير ظاهر بل الظاهر أن المراد به القدر المشترك بين الندب والوجوب وأما الإشكال على تأويله الهداية بأنه لا معنى للأمر بالعود إلى طمأنينة وهي لم تزل فضعيف لأن الأمر بالدوام والثبات شائع واستوضح بقوله تعالى :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
[ الكوثر : 2 ] « 1 » . قوله : ( وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما ما تقول في محمد قال رسول اللّه قال فماذا تقول في فقال أنت أيضا فخلاه فقال للآخر ما تقول في محمد قال رسول اللّه قال فماذا تقول في قال إنا أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ) لما
هامش
( 1 ) أشار إلى أن قوله لا معنى له لوقوعه في القرآن .