يبعد تجويزه في المعطوف ) وإن أفضى إشارة إلى دفع ما ذكره الزجاج ومن تبعه من أنه لا يجوز أن يكون فاعل الفعل ومفعوله ضميرين متصلين متحدي المعنى تكلما أو خطابا أو غيبة سوى أفعال القلوب فلا يقال « 1 » ضربتني بل يقال ضربت نفسي وكذا الحال في الخطاب والغيبة وجه الدفع أن عدم صحة ذلك في المعطوف غير مسلم ألا يرى أنه يجوز مررت بك أنت ولا يجوز مررت بأنت فعلم أن التابع مطلقا معطوفا أو غيره يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 58 ]
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 )
قوله :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى
[ النحل : 58 ] شروع في بيان اختيارهم لأنفسهم البنين وبالأنثى أخبر بولادتها أي بشر جرد لمعنى الإخبار عن كونه سارا بقرينة قوله ظل وجهه مسودا والتعبير بالتبشير إما لكون مراد المخبر أو لكون ذلك الخبر في حد ذاته تبشيرا ففيه توبيخ عظيم حيث جعل التبشير باعث الحزن للحمية الجاهلية وأشار أيضا إلى حذف المضاف أي الولادة قوله ( أخبر بولادتها ) .
قوله : ( صار أو دام النهار كله مسودا من الكآبة والحياء من الناس ) صار أي ظل من الأفعال الناقصة أي صار وجهه مسودا في وقت النهار أو ظل على أصل معناه وهو داوم على الفعل في النهار فالنهار في دام النهار منصوب على الظرفية قيل إنما خص الكآبة بالنهار لأن أكثر الولادات يقع بالليل ويتأخر الإخبار إلى النهار خصوصا بالأنثى ولك أن تقول لأن ظهور الكآبة للناس في وقت النهار ولذا خص ذكر الكآبة « 2 » بالنهار والمراد عموم الأوقات لأن الحزن الذي ظهر فيه لا يزول بقدوم الليل وإما ما ذكره القيل فمنظور فيه لأن الاستقراء التام مشكل والناقص غير مفيد فمن أين يعلم أن أكثر الولادة تقع في الليل وتأخر الإخبار إلى النهار ويقرب أن يكون رجما بالغيب .
قوله : ( واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير ) لأنه لازم له فذكر اللازم وأريد الملزوم وهذا مسلك السكاكي وقد صحح به النحرير في المطول وكونه كناية لإمكان إرادة المعنى الحقيقي لكونه ممكنا إما للانتقال إلى المعنى الكنوي وهو مختار الجمهور أو لجواز والانكسار من الحزن والتشوير التخجيل من شورت الرجل فتشور أي اخجلته فخجل فالتشوير هنا مصدر لنور المبني للمفعول ليناسب الكأبة التي هي سوء الحال ويجوز أن يكون مصدرا للمبنى للفاعل على معنى وتشوير الناس له وهو الأنسب لقوله عز وجل :
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ
[ النحل : 59 ] .
هامش
( 1 ) ومنهم من خص ذلك بالمتعدي بنفسه وجوزه في المتعدي بالحرف وارتضاه الشاطبي في شرح الألفية وهو قوي عندي كذا قيل فحينئذ لا يحتاج إلى ما ذكره المصنف لأنه متعد بالحرف لكونه بمعنى الاختيار لكن القوي عندي المطلق لأن العلة المسوقة لعدم الجواز يجري فيهما على السواء فتدبر .
( 2 ) بسكون الهمزة وفتحها مردودة .