اجتماعهما معا كما هو مسلك السكاكي فإن وقت فرط الغم والهم يسود وجه المغتم فيجوز إرادته والكآبة سوء الحال وغاية الانكسار والتشوير المراد به الحياء وأصل معناه أن يفعل فعلا يستحي منه ومعناه الافتضاح القوي .
قوله : ( مملوء غيظا من المرأة ) « 1 » على ولادة الأنثى ممسك له في قلبه ولا يظهر فعيل بمعنى المفعول كقوله وهو مكظوم وقد مر تفصيله في سورة يوسف قيل في قوله مملوء غيظا استعارة مكنية وتخييلية وهو كظيم جملة حالية من وجهه أو من الضمير في مسودا وهو يفيد كمال الذم ونهاية الشناعة .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 59 ]
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 )
قوله : ( يستخفي منهم ) بيان معاملتهم بالنسبة إلى الغير إثر بيان سوء حالهم في أنفسهم وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أيضا أو للاستمرار ويتوارى إما حال من ضمير كظيم أو من ضمير مسودا فيكون إما حال متداخلة أو مترادفة أو استئناف وهو الظاهر لأن الحال المحققة غير ظاهرة ومن الأولى للابيداء والثاني للتعليل فلا ضمير في تعلقهما بيتوارى .
قوله : ( من سوء المبشر به عرفا ) قيد المبشر به أي وإنما أطلقت البشارة على الأخبار مع أنه منشأ الكرب العظيم والكظيم عرفا لكونه ولدا وقد مر وجه آخر في وجهه وهو قريب من ذلك فعلى هذا لا مجاز في التبشير والظاهر أنه مجاز لاستعماله في جزء معناه محدثا نفسه إشارة إلى أن جملة الاستفهامية وهي أيمسكه معمولة لمحذوف معلق عليها وعنها العامل حال من فاعل يتوارى وقول أبي البقاء إن جملة أيمسكة حال إما أن يريد هذا أو جوز وقوع الطلبية حالا الخ لتأويلها بمتردد وكذا قيل .
قوله : ( محدثا في نفسه متفكرا في أن يتركه ) مضمون محدثا نفسه إشارة إلى عامل محذوف حال من فاعل يتوارى قوله في أن يتركه متعلق بمتفكرا بيان الحاصل وكلمة في ملحوظة في أم يدسه لأنه عديل أيمسكه أي متفكرا في أن يمسكه وفي أن يدسه .
قوله : ( على هون ) حال من الفاعل أي يمسكها مع رضاه بهوان نفسه وعلى رغم أنفه أو حال من المفعول أي يمسها مهانة ذليلة كذا نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما واحتمال الأخير هو المناسب للسباق والسياق .
قوله : ( ذل ) إشارة إلى أن هون بضم الهاء الذل والهوان وهذا يؤيد كونه حالا من المفعول .
قوله : وئيده مهموز من وأد ولده أي قتله خشية الفقر .
هامش
( 1 ) وفعيل بمعنى الفاعل لكن قوله مملوء غيظا يلائم الأول .