استئناف يجري مجرى تعليل كونه واحدا وله أي له تعالى خاصة ما في السماوات والأرض يعم العقلاء وغيرهم قد مر بيانه آنفا ويعم أيضا نفس السماوات والأرض على ما حققه في آية الكرسي وما بين السماوات والأرضين لأنه يصدق عليه ما في السماوات والأرض إما بالذات أو بالواسطة .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 52 ]
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 )
قوله : ( خلقا وملكا له ) تميز عن النسبة وبيان لجهة الاختصاص ولم يقل ونعمة لعدم سبق الحمد « 1 » والمراد بالملك التصرف كيف يشاء فلا يستلزمه الخلق ولو سلم فذكره لمزيد التقرير .
قوله : ( أي الطاعة لازما لما تقرر من أنه الإله وحده والحقيق بأن يرهب منه ) أي الطاعة رجحها لشدة مساسه بقوله إله واحد وله ما في السماوات قوله والحقيق بأن يرهب منه وإن لم يرهبوا لتمادي غفلتهم .
قوله : ( وقيل واصبا من الوصب أي وله الدين ذا كلفة ) الوصب كالتعب لفظا ومعنى حال من الضمير المستتر في الظرف كما في الأول مؤكدة إذ الطاعة ذو كلفة غير مفارق الكلفة أي المشقة عنها وأما في الأول فقيل إنه حال مؤكدة أو مقيدة والثاني هو الظاهر كما قيل والأول هو الأظهر إذ اختصاص الظاهر لا ينفك عنه اللزوم والدوام كما لا ينفك عنه الكلفة والمشقة مرضه قوله : أي الطاعة على تسمية المجازي عليه باسم الجزاء مجازا فإن الدين بمعنى الجزاء قال الشاعر :
كما تدين تدان
أي كما تفعل تجازى به فالأولى مشاكلة حيث عبر عن الفعل المجازي عليه بلفظ الجزاء وقوله ودناهم كما دانوا أي جزيناهم كما فعلوا والواقع على المشاكلة هنا هو الثاني فهو عكس المثال الأول .
قوله : لازما الخ الوصب إن كان من وصب يصب من باب ضرب يضرب يكون بمعنى دام يقال وصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه وإذا كان من وصب يوصب من باب علم يعلم يكون من الوصب بمعنى المرض والمشقة فقوله تعالى :
وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
[ النحل : 52 ] يحتمل معنيين قال الراغب الوصب السقم الدائم قال تعالى :
وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[ الصافات : 9 ] فقوله :
وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
[ النحل : 52 ] وعيد لمن اتخذ الهين وتنبيه على أن جزاء من فعل ذلك لازم شديد ومعنى الواصب الدائم أي حق الإنسان أن يطيعه دائما في جميع أحواله هذا أقول معنى الوعيد الذي ذكره إنما هو إذا أريد بالدين الجزاء على ما لا يخفى وفي الكشاف الواصب الواجب الثابت لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة على كل منعم عليه ويجوز أن يكون من الوصب أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفا أوله الجزاء دائما ثابتا سرمدا لا يزول يعني الثواب والعقاب .
هامش
( 1 ) كما في سورة السبأ فإنه ذكر نعمة لسبق الحمد .