قوله : ( بيان ما نكح على الوجهين ) أي على كونها موصولة أو مصدرية إذا المصدر بمعنى المفعول فهو كالموصول مآلا وفائدة هذا البيان للتعميم كما في قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] كأنه قيل أي امرأة كانت حرة أو أمة موطوءة بأي وجه كان أو غير موطوءة بعد ما كانت منكوحة .
قوله : (
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
) أي إلا بنكاح قد وقع منكم قبل نزول آية التحريم فلا تستحقون العقاب بذلك لأن الإسلام هادم لما وقع في أوقات الكفر سوى حقوق العباد في أصح الأقوال وقبل لأنه لا إثم عليهم بما فعلوا قبل ذلك لوقوعه قبل نزول ما يحرمه فيه لأنه إنما يتم إذا لم يكن محرما في شرع من قبلنا مع إن الاستثناء ح يكون من الحرمة لا من استحقاق العقاب .
قوله : ( أو من اللفظ ) عطف على من المعنى اللازم استثناء من المعنى اللازم للنهي فكأنه قيل تستحقون العقاب بنكاح ما نكح أباؤكم إلا ما قد سلف .
قوله : كأنه قيل تستحقون العقاب بنكاح نكح اباؤكم إلا ما قد سلف أي لا تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم فيما سلف أي في زمان الجاهلية قبل التحريم هذا الوجه هو ما ذكره صاحب حل العقد فقال هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله :
لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
[ النساء : 22 ] معناه إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه قال ابن عباس رضي اللّه عنه وجمهور المفسرين كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فاللّه تعالى نهاهم بهذه الآية عن ذلك الفعل قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه يحرم على الرجل أن يتزوج بموطوءة أبيه وقال الشافعي رضي اللّه عنه لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال إنه تعالى نهى الرجل عن أن ينكح منكوحة أبيه والنكاح عبادة عن الوطىء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه وإنما قلنا إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه الأول قوله تعالى :
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] أضاف هذا النكاح إلى الزوجة والنكاح المضاف إلى الزوجة هو الوطء لا العقد لأن المرأة لا يمكنها أن تتزوج بزوج نفسها لأن تحصيل الحاصل محال ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد ليس هو العقد بل الوطىء أو ما يشبه الوطىء فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطىء فلزم أن يكون فقوله :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 22 ] معناه لا تنكحوا ما وطأهن آباؤكم وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية .
قوله : أو من اللفظ أي أو استثناء من اللفظ أي من لفظ ما في قوله عز وجل :
ما نَكَحَ آباؤُكُمْ
[ النساء : 22 ] لا من لازم المعنى قصدا للمبالغة في التحريم معنى المبالغة في هذا الوجه مستفاد من التعليق بالمحال الذي أفاده هذا الاستثناء فالمعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فأنكحوه فإنه لا يحل لكم أن تنكحوا غيره وذلك غير ممكن والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته كما يقال حتى يبيض الفار وحتى يلج الجمل في سم الخياط وهذا كقوله ولا عيب فيهم البيت فإن معنى أن سيوفهم بهن فلول هو الشجاعة واستثناء الشجاعة من العيب لا بد أن يكون على تقدير أنها عيب فكون وجود العيب فيهم لا يكون إلا على تقدير أن يكون الشجاعة عيب لكن هذا محال وما لا يثبت إلا على تقدير المحال يكون محالا لا محالة فكذلك في الآية استثنى عما