تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
والدنيا في جنب عذاب الآخرة كالعدم فلا يناسب جمعهما في سلك علة واحدة ولا يبعد أن يكون العلة الأولى تحقيرهم الناس فإن الجزاء من جنس العمل فلذا لم يتعرض لكون ذلك لهم عذاب في الدنيا صراحة . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 34 ]

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 ) قوله : ( استثناء مخصوص بما هو حق اللّه تعالى ويدل عليه قوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ المائدة : 34 ] أما القتل قصاصا فإلى الأولياء يسقط بالتوبة ) استثناء والمستثنى منه المحاربين « 1 » القاتلين الآخذين المال كما بين في الفقه مخصوص بما هو حق اللّه وهو الحد أما القتل الخ أي فبقي حق العبد فيخير الأولياء إن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استوفوا حقوقهم كما فصل في علم الفقه . قوله : ( وجوبه لا جوازه ) إذ لو لم يتوبوا يقتلوا أحدا فلا مجال لعفو ولي الميت ولا اعتبار به وأما بعد التوبة فعفوه وصلحه معتبر لأنه حينئذ خالص حقه يميل إلى ما يشاءه ويجب على الإمام قبوله . قوله : ( وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب ) إذ الاستثناء يفيد أن الحكم على المستثنى منه بعد الثنيا فبقيت الصورة المذكورة في جانب المستثنى منه بعد الاستثناء وهذا وجه الدلالة سواء كان الدلالة بطريق العبارة كما هو مذهب الشافعي أو بطريق الضرورة أو الإشارة كما هو عندنا . قوله : ( وإن الآية في قطاع المسلمين ) قيل فيه بحث لأن المراد بالتوبة التوبة عن قطع الطريق ولا تأثير لها في سقوط الحق بعد القدرة سواء كانت من الكافر أو من المسلم وإن التوبة عن الكفر مسقطة لجميع ما كان قبل التوبة فمعلوم من غير هذا الموضع انتهى قوله لجميع ما كان ميل إلى سقوط حق العبد أيضا وهذا مختلف فيه . قوله : ( لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها ) كالقود والأرش وغير قوله : استثناء مخصوص أي استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة لا من العام الشامل لهم وللقاتلين الذين عليهم القصاص وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء إن شاؤوا عفوا وإن شاؤوا استوفوا والضبط فيه أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الآدميين لا يسقط بالتوبة وما يتعلق بحقوق اللّه تعالى وهو الصلب وقطع الأيدي والأرجل يسقط بالتوبة قبل القدرة عليهم وأما بعد القدرة عليهم فمفهوم الآية أن التوبة لا تنفعهم ومال بعض العلماء إلى السقوط وإنما قلنا مفهوم الآية أن التوبة لا ينفعهم لأن التوبة في الآية مقيدة بكونها قبل القدرة فدلت بمفهومها أن توبتهم لا تقبل بعد القدرة عليهم والذين قالوا بالقبول مطلقا فلا يعملون بالمفهوم .
هامش
( 1 ) وفي الكشاف المحاربين استثناء من المعاقبين مراده المحاربين المستحقين العقاب .