تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح ) أخباره المستقبلة التقييد باعتبار الأعم الأغلب . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 83 ]

وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 83 ) قوله : ( مما يوجب الأمن أو الخوف أفشوه كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أو أخبرهم الرسول بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوا به لعدم جزمهم فكانت إذاعتهم مفسدة ) ضعفة المسلمين أي رأيا مفسدة لأنه إذا علم الخصم الأمن يسعى في حفظ نفسه وإذا علم الخوف يتبادر إلى القتال والجدال . أثبته بعض من الحكم لحكمة ومصلحة تليق بحال الأمة وأزمانهم وفي الكشاف فإن قلت أليس نحو قوله :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[ الأعراف : 107 ] كأنها جان
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ الحجر : 92 ]
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 39 ] من الاختلاف قلت ليس باختلاف عند المتدبرين وجه الاختلاف في الأول أن الثعبان هو العظيم من الحيات والجان الدقيق منها وفي الثاني أن الآية الأولى أثبت السؤال في يوم القيامة والثانية نفته في ذلك اليوم وأما انتفاء الاختلاف في الأول فإنه لا منافاة بين كون العصا ثعبانا وكونه يشبه الجان وأيضا يجوز أن يكون في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان وأما في الثاني فلأن في عرصات القيامة مواقف يسألون في مواقف ولا يسألون في آخر قال الراغب إن للإنسان هاديين الشرع والعقل أحدهما أصل للآخر فبين تعالى أن الذين أتاكم به من الشرع لو كان من عند غير اللّه لكان مقتضى العقل يخالفه فلما لم يوجد بينه وبين العقل منافاة علم أنه من عند اللّه ثم قال فإن قيل فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها قيل كلا فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين إما شيء يحكم به العقل لكونه حسنا مثل الاشتغال بعبادة الرب مطلقا أو شيء غير مهتدي إلى معرفته لا أنه يستقبح فبين الشرع حسنه وذلك كإعداد الصلاة وهيئاتها وأركانها في كونها عبادة على وجه دون وجه وأما أن يأتي الشرع بشيء قد قضى العقل بكونه قبيحا فليس بموجود وبعض الناس تصور أشياء ينفر الطبع منها لعادات جارية واعتقادات فاسدة وذلك لأنهم لم يفرقوا بينه وبين حكم العقل وظنوا أن العقل حكم بضد الشرع . قوله : أذاعوا به لعدم جزمهم أي أشاعوا ذلك الخبر لعدم جزمهم به يعني أذاعوه على وجه الاستفسار ليحصل لهم الجزم به فعلى هذا المراد بالذين يستنبطونه منهم ضعفة المسلمين المذيعون لذلك الخبر بخلاف الوجهين الأولين فإن المراد بالذين يستنبطونه عليهم هو الرسول وأولو الأمر قوله والباء مزيدة يعني يتعدى فعل الإذاعة نفسه يقال أذاعه ويذيعه لكن استعمل هنا بالباء فإما أن تكون الباء مزيدة كما في
كَفى بِاللَّهِ
[ الرعد : 43 ] وفي
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] أو هو من باب التضمين ضمن الإذاعة معنى فعل يتعدى بالباء فالمعنى أذاعوا متحدثين به أو تحدثوا به مذيعين .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 245 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر