تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
للذين أي كلمة من بيانية فيكون حاصل المعنى وهم الذين هادوا أي تهودوا يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية والذكر مجملا أولا والتفصيل ثانيا لكمال الإيضاح وما بينهما اعتراض والاعتراض وإن كان بجملتين لكن الثانية عطف على الأولى ولا خلاف في جوازه وإنما الاختلاف فيما إذا لم يكن عطفا . قوله : ( أو بيان لأعدائكم ) فإنها تحتملهم وغيرهم ومآلهما واحد لأن المراد بالأعداء هم الذين أوتوا الخ ولذا قدم الأول . قوله : ( أو صلة لنصيرا أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منه أو خبر محذوف صفته
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
[ المائدة : 13 ] ) الخ ويحفظكم الخ إشارة إلى أن النصرة إذا عدي بمن يتضمن بمعنى الحفظ آخره لأن التخصيص خلاف الظاهر لأن حفظه عام وأما في قوله تعالى :
فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[ البقرة : 286 ] فإنما عدي بعلى لتضمنه معنى الغلبة . قوله : ( أي
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
[ النساء : 46 ] أي يميلونه عن [ النساء : 45 ] اعتراضا وإذا كان جوابا بيانا لأعدائكم تكون الجملتان الأخيرتان اعتراضا بينهما . قوله : أي ينصركم من الذين هادوا فحينئذ يكون من لتضمين النصر معنى الانتقام أي ينصركم منتقما من الذين هادوا كقوله تعالى :
وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا
[ الأنبياء : 77 ] . قوله : أو خبر محذوف أي أو هو خبر مبتدأ محذوف صفته
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
[ النساء : 46 ] فحينئذ يكون
مِنَ الَّذِينَ هادُوا
[ النساء : 46 ] كلاما مبتدأ لا تعلق له بما قبله ومثله في حذف الموصوف وذكر صفته قوله :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح
أي فمنهما تارة أموت فيها . قوله : أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه اللّه فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها وذلك نحو تحريفهم في صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الواقعة في التورية أنه أسمر ربعة فغيروه إلى آدم طوال وآدم بمعنى أسمر والطوال بالضم الطويل الربعة متوسط القامة وللإمام ههنا سؤال وجواب أما السؤال فهو أن كتاب التورية مشهور في الشرق والغرب بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر فكيف يتصور تحريف بعضها وأما الجواب فالمراد بالتحريف القاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وجر اللفظ من معناه الحق إلى الباطل بوجوه الحيل اللفظية كما يفعله أهل البدعة في الآيات القرآنية المخالفة لمذهبهم أقول هذا الجواب إنما يستقيم على الوجه الثاني وهو قوله أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه على ما أنزل اللّه فيه وأما على الوجه الأول فلا فإن التحريف في الوجه الأول بتبديل لفظ ووضع لفظ آخر مكانه معناه ملائم لما يشتهونه وأما التحريف في الوجه الثاني أن اللفظ باق على ما كان في كتاب التورية لكن يحرفون معناه بأن يأولوا معنى ذلك اللفظ على ما يشتهونه وأما الجواب على الوجه الأول فما قاله الطيبي لعل القوم كانوا قليلين وكذا العلماء فتواطؤوا على التبديل أقول المفهوم من جواب الطيبي أن تبديلهم ذلك كان قبل اشتهار التورية في الآفاق وقبل بلوغه حد التواتر .