قوله : ( جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ) أول جاء أحد منكم بجئتم لأن فلم تجدوا قيد للأربعة فتيمموا أجزاء للشرط المشتمل على الأربعة فهذا يقتضي ذلك التأويل وإلا فالجزاء فليتيمم بالنسبة إلى أو جاء أحد منكم وكذا يقتضي فلم يجد ماء .
قوله : ( أي فتعمدوا شيئا ) أي معنى التيمم التعمد والقصد قوله شيئا أي تنوين صعيدا للتقليل .
قوله : ( من وجه الأرض طاهرا ) إشارة إلى معنى الصعيد سمي به لكونه صاعدا طاهرا ظاهرا يعني أن معنى الطيب هنا الطاهر طهورا تاما .
قوله : ( ولذلك ) أي لأن المراد وجه الأرض مطلقا ترابا أو غيره .
قوله : ( قالت الحنيفة لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح أجزأه وقال أصحابنا لا بدّ أن يتعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
[ المائدة : 6 ] أي من بعضه ) على حجر صلد أي لا تراب عليه لقوله في المائدة أي المطلق محمول على المقيد وإن حمل من على التبعيض هو المتبادر .
قوله : ( وجعل من لابتداء الغاية تعسف ) جواب سؤال من قبل الحنفية .
قوله : ( إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض ) أي أن المفهوم من من الداخلة على الكل هو التبعيض كشربت من الماء والجواب أن الصعيد اسم لجميع أجزائها فيتناول الجميع وبهذه القرينة حمل على الابتداء .
قوله : أي فتعمدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا معنى التيمم التعمد والقصد يقال أممته ويممته أي قصدته والصعيد فعيل بمعنى الصاعد ثم غلب في جنس الأرض فصار اسما قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا أو غيره فقول المص شيئا من وجه الأرض مأخوذ من قول الزجاج ولما كان وجه الأرض عاما شاملا للتراب والحجر قالت الحنفية لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد جاز تيممه والمعنى اقصدوا أرضا وبهذا صح التعليل بقوله ولذلك قالت الحنفية الخ قال الشافعي رضي اللّه عنه لا بل لا بد من تراب يلتصق بيده تمسكا بما في المائدة فإنه عز وجل قال هناك
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
[ النساء : 43 ] منه فإن لفظة من التبعيضية أفادت لصوق بعض من المضروب عليه باليد والوجه وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه قوله وجعل من لابتداء الغاية تعسف قال صاحب الكشاف فإن قلت قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض قلت هو كما تقول والإذعان للحق أحق من المراء ثم كلامه المراد المجادلة وقد انصف الزمخشري من نفسه في هذه المسألة وأيضا استدل الشافعي على ذلك بما ذكره الواحدي وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته فوجب في الذي لا ينبت أن لا يكون طيبا فكان قوله تعالى :
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
[ النساء : 43 ] أمرا بالتيمم بالتراب فقط وظاهر الأمر للوجوب واستدل أيضا بأن أصل معنى الصعيد ينبئ عن الصعود والارتفاع ولا يكون الارتفاع إلا من الغبار .