قوله : ( صنما أو غيره أو شيئا من الإشراك ) صنما أو غيره أي شيئا مفعول به أو شيئا من الإشراك أي هو مفعول مطلق .
قوله : صنما أو غيره هذا على أن يكون شيئا مفعولا به للاشراك أو قوله وشيئا من الإشراك على أنه مفعول مطلق والمعنى لا تشركوا شراكا ما قطعا معنى التعميم في قوله جليا أو خفيا مستفاد من لفظ شيئا وتنكيره الشرك الجلي هو اتخاذ غير اللّه إلها صريحا كما فعله عبدة الأوثان والشرك الخفي الرياء في العبادات وإنما سمي الرياء شركا لأن فيه الإشراك لكون العبادة مع الرياء عبادة لغير اللّه لا للّه قال الإمام ما حاصله أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر فيها عشرة أنواع الأول قوله :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ
[ النساء : 36 ] والعبادة عبارة عن فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر اللّه تعالى وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب والجوارح فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد فقط النوع الثاني قوله :
وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[ النساء : 36 ] وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ
[ النساء : 36 ] أمر بالإخلاص في العبادة بقوله :
وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[ النساء : 36 ] لأن من عبد اللّه مع غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا وبهذا قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] النوع الثالث قوله :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ البقرة : 83 ] فيه تقدير فعل محذوف أي وأحسنوا بهما إحسانا يقال أحسن إلى أخيه وأحسن به يتعدى فعل الإحسان بكل واحد من الباء وإلى وأعلم أن اللّه تعالى قرن إكرام الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع أحدها في هذه الآية وثانيها قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الإسراء : 23 ] وثالثها قوله :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
[ لقمان : 14 ] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
[ الإسراء : 23 ] وقال :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
[ العنكبوت : 8 ] وقال في الوالدين الكافرين :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً
[ لقمان : 15 ] وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أكبر الكبائر الإشراك باللّه وعقوق الوالدين واليمين الغموس والإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن في الكلام معهما ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة ومن البر لا يشهر عليهما سلاحا ولا يقتلهما » قال أبو بكر الرازي إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله فحينئذ يجوز له قتله لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه وذلك منهي عنه وأما بدون ذلك فلا يجوز روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى حنظلة الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا النوع الرابع قوله تعالى :
وَبِذِي الْقُرْبى
[ النساء : 36 ] وهو أمر بصلة الرحم عطف ذا القربى على الوالدين مع أن الوالدين من الأقارب أيضا لأن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بهما بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل بغيرها لا جرم ميزها اللّه تعالى في الذكر عن سائر أنواع القرابات فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ثم اتبعها بقرابة الرحم النوع الخامس قوله :
وَالْيَتامى
[ النساء : 36 ] واليتيم مخصوص بنوعين من العجز الصغر وعدم المشفق ولا شك من هذا حاله في غاية العجز واستحقاق الترحم النوع السادس
الْمَساكِينِ
[ النساء : 36 ] والمسكين وإن كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حاله بنفسه على الغير فيجلب به نفعا أو يدفع به ضرا وأما اليتيم فلا قدرة له عليه فلهذا قدم اللّه تعالى اليتيم في الذكر على المسكين