تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
قوله : ( وما تحتها فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس ) وما تحتها إن كان له تحت فلا نقض بحديث النفس والمراد به العزم المصمم لا ميل الطبع بلا قصد اختياري فإنه لا يدخل تحت التكليف صرح به في سورة يوسف عليه السّلام . قوله : ( وبينهما وسائط يصدق عليه الأمران ) الصغير والكبير فكونه صغيرا أو كبيرا إضافي لا حقيقي وأما الشرك وحديث النفس ففي أنفسهما كبير وصغير لا بالقياس إلى الغير .
فكبائر الرجل الصغير صغائر * وصغائر الرجل الكبير كبائر
وقالوا زلة العالم زلة العالم ومن الناس من يؤاخذ على حديث النفس وكذلك إذا نسب معصية فاعل إلى طاعة فاعل آخر فقوله أو ثواب فاعلهما أي فاعل الطاعة والمعصية والمراد بالثواب الجزاء قيل وهنا نظر وهو أن قسم المساواة باق في هذه النسب فلا ينحصر المعصية في الكبيرة والصغيرة قال الإمام وهذا القسم وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد لأنه تعالى قال :
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
[ الشورى : 7 ] ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير فالآية مصرحة بتقسيم الذنوب إلى الكبائر والصغائر فمنهم من قال الكبيرة تتميز عن الصغيرة في ذاتها ونفسها وعليه ما روي عن علي وغيره من الصحابة من تعداد الكبائر ومنهم من قال الامتياز لا يحصل في ذاتها بل بالإضافة كما قرره صاحب الكشاف وهو مذهب المعتزلة فمعنى الآية أن من عن وظهر له معصيتان مختلفتان في العقاب ودعت نفسه إليهما فإن كف عن أكثرهما عقابا كفر عنه ما ارتكب من أقلهما عقابا وفي التقسيم الذي ذكروا إشارة إلى أن فعل الطاعة أيضا مكفر عن المعصية كما أن ترك المعصية مكفر فإن كان ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته فحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب ويفضل من الثواب شيء ومثل هذه المعصية صغيرة وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير وإن كان عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته فحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب ويفضل من العقاب شيء ومثل هذه المعصية هو الكبيرة وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط وهذا قول جمهور المعتزلة وهذا الكلام مبني على أصول المعتزلة كلها باطل عندنا وتمام الكلام في هذا البحث ردا وقبولا مذكور في علم الكلام ومما يزيف مذهبهم في أن المعصية تكون صغيرة بالقياس إلى ثواب طاعة أزيد من عقاب هذه المعصية أنه يلزم منه أن يكون شرب قطرة من الخمر فيمن اشتغل بتوحيد اللّه وتقديسه وخدمته سبعين سنة فإن مجموع هذه العبادات والطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة من الخمر مع أن الأمة مجتمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر فإن أصروا وقالوا بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع طاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه فإنهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم فإن دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد ابطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه وكذا إن نعم اللّه تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات فكان أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئا آخر وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فإن عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر وذلك أيضا باطل وكذا أن كلامهم هذا مبني على القول بالإحباط وهو باطل على ما علم في موضعه من علم الكلام .