تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
قوله : ( أو تثبيته على ما كان عليه كقوله
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
[ القلم : 8 ] أو لكل أحد ) أو تثبيته فإنه عليه السّلام وإن لم ينزل بوجه ولا يتوقع منه تزلزل لكنه أمر بالثبات على ما كان عليه من عدم الاغترار للتنبيه على صعوبة ذلك قوله أو لكل أحد ممن يصلح أن يخاطب سوى النبي عليه السّلام للقرينة فيكون الخطاب إلى غير معين فيكون مجازا ولذا اخره مع خلوه عن التمحل فما وقع من أنه خطاب للنبي عليه السّلام ولكل أحد يحمل الواو فيه على أو الفاصلة وجعله عاما له عليه السّلام بطريق التغليب لا يرضى به اللبيب . قوله : ( والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة ) والنهي في المعنى للمخاطب لأن النهي إنما يتوجه إلى العاقل فهو منهي عن الاغترار كناية قوله تنزيلا الخ علة قوله للمبالغة علة باعثة وموجبة له وجه المبالغة هو أن نهي السبب لا سيما السبب الذي هو غير عاقل مستلزم لنهي المسبب فيكون مجازا مرسلا أو كناية فهما أبلغان من الحقيقة والتصريح ولو أريد بالمبالغة المبالغة في السببية فالأمر واضح . قوله : ( والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم ) والمعنى لا تنظر هذا يدل عليه النظم اقتضاء ولا تفتر نهي المخاطب بسبب نهي السبب بظاهر ما ترى الخ إذ ظاهره أحلى وأسر وباطنه أدهى وأمر . قوله : أو تثبيته عطف على أمته أي أو لخطاب للنبي أصالة والمراد تثبيته على ما كان عليه من ترك الغرور كقوله تعالى :
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
[ القلم : 8 ] فإنه عليه الصلاة والسّلام ما أطاع المكذبين قط فالمراد بالنهي عما لم يرتكبه تثبيته على ما عليه من عدم اطاعته لهم وكقوله تعالى :
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
[ القصص : 86 ] وكقوله :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ القصص : 87 ] وهذا في النهي نظير الأمر في قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 1 ] . قوله : والنهي في المعنى للمخاطب فالمعنى لا تغتر بتقلب الذين كفروا في البلاد للتجارات وسعيهم في الرزق والمال وإنما جعل النهي ظاهرا للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب فإن تغرير التقلب للمخاطب سبب واغتراره بالتقلب مسبب فمنع السبب ورود المنهي عليه ليمتنع المسبب الذي هو اعتراف المخاطب بذلك السبب على طريق برهاني وهو أبلغ من ورود النهي على المسبب من أول الأمر وهذا أبلغ لما فيه من سلوك طريقة البرهان قالوا هذا على عكس قول قائل لا رينك ههنا لأن حضور المخاطب ههنا سبب لرؤية المتكلم إياه لينتفي السبب الذي هو حضور المخاطب عنده والحاصل أن أصل المقصود نهي المخاطب عن أن يحضر عنده فتوسل إلى هذا المقصود بنهي المتكلم نفسه عن مسبب ذلك الحضور وهو الرؤية لأن حضور المخاطب عند المتكلم سببا لرؤيته إياه التي هي مسببية عن الحضور فتوسل بالنهي عن المسبب إلى النهي عن البب فهو كقوله تعالى :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها
[ طه : 16 ] قال هناك نهى الكافر أن يصد موسى عنها أي عن تصديق الساعة والمراد نهيه عن أن ينصد عنها كقوله :
لِنُرِيَكَ
ههنا تنبيها على أن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها وأنه ينبغي أن يكون راسخا في دينه فإن ضد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه .