ومختار المتفلسفة تجاوز اللّه عنا وعنه والزمان مدة مقسومة أي مقسومة إلى الماضي والحال والاستقبال فيكون أخص من المدة ولوقت الزمان المفروض أي المقدر والمعين لأمر سواء كان ذلك الأمر دنياويا أو عبادة ولذا قيل أوقات الصلاة والصوم والحج وغيرها ولا يقال مدتها « 1 » وأزمنتها فيكون أخص من الزمان ومن المدة لأن الأخص من أخص من الشيء أخص من ذلك الشيء وفي كلامه إشارة إلى وجه اختيار الوقت دون الأزمنة والمدة قيل ولم نجد هذا التفصيل فيما عندنا من كتب اللغة ولا يضره ذلك إذ البيان على مذهب الحكماء لكن لم نجد هذا الفرق فيما عندنا من كتب الحكمة لكن حسن الظن به أنه اطلع عليه والعجب « 2 » أن صاحب الإرشاد وابن كمال تبعاه في ذلك مع أن بيان النظم الجليل على قاعدة الفلاسفة ليس له حسن أنيق ولطف رشيق وعلماؤنا أبطلوا كون الزمان عبارة عن مقدار حركة الفلك الأعظم وحركتها أيضا .
قوله : ( وقرأ عاصم بضم الباء ) أي باء بيوت على الأصل لأنه جمع بيت على وزن فعول بضم الفاء والباقون بكسرها على اتباع الياء .
قوله : ( كانت الأنصار إذا أحرموا الخ لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه وإنما يدخلون ويخرجون من نقب أو فرجة وراءه ) أشار إلى أن البيوت بمعنى السكنى مطلقا اطلاقا للخاص على العام سواء كانت مبنية من الحجر أو المدر أو متخذة من الشعر والوبر لا بمعنى المبنى المشتمل على الجدران الأربع مع السقف لأنه لا يطلق على الدار حقيقة إذ الدار العرصة التي تشتمل البيوت ولا يطلق على الفسطاط فالمراد ما قررناه وهو مطلق السكنى والفسطاط بيت من شعر وفيه لغات فسطاط وفساط وكسر الفاء لغة فيهن كما في الصحاح .
قوله : ( ويعدون ذلك برا ) وخيرا يرجون الثواب ومنشأ غلطهم أنه ترك العادة كما أن الإحرام تركها فكما أن الإحرام بر فكذلك الدخول المذكور بر أيضا .
قوله : ( فبين لهم أنه ليس ببر ) والضمير في أنه راجع إلى الإتيان المدلول عليه بأن تأتوا جعل الإتيان المذكور مسندا إليه والبر مسندا مع أن في الآية الكريمة عكسه ولعله جعل كذلك للمبالغة وإلا ففي اللغة والعرف نفي البر عن الفعل كما في النظم لا نفي الفعل عن البر تقدم نظيره في قوله :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا
[ البقرة : 177 ] الآية وبالجملة العدول قوله : كانت الأنصار أي كانوا إذا أحرموا وغيروا عاداتهم في اللباس والتطيب ظنوا أنه لابد في الإحرام من تغيير جميع العادات فغير وإعادتهم في الدخول من الباب إلى ما وراءه والفسطاط بيت من الشعر .
هامش
( 1 ) أي ليس بمتعارف أن يقال مدة الصلاة وأزمنتها بمعنى أوقاتها وإن كان صحيحا في نفسه لأن كل شيء يطلق عليه الأخص مطلقا يصح أن يطلق عليه الأعم مطلقا .
( 2 ) واختاروا أن الزمان عبارة عن أمر متجدد معلوم يتحدد به أمر مبهم .