فالتقييد بالعلم المبالغة في شناعتهم وكمال التقبيح في ارتكابهم فلا مفهوم لتحقق فائدة في القيد سواه .
قوله : ( روي أن عبدان الخضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بينة فحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
[ آل عمران : 77 ] فارتدع عن اليمين وسلم الأرض إلى عبدان ) هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا وامرئ القيس المنسوب إلى كندة بن ثور قبيلة من اليمن وهو غير الشاعر المعروف وإن كان شاعرا أيضا فإن امرئ القيس لقب به عشرة من الرجال ثلاثة منهم صحابيون كلهم شعراء كذا في القاموس وعبدان بوزن عطشان علم الحضرمي منسوب إلى حضرموت وفي المعالم ربيعة بن عبدان الحضرمي ولعله رواية أخرى .
قوله : ( فنزلت ) الآية فأقر عبدان ورد أرضه إليه وأعطاه أرضا أخرى أيضا مكان ما أخذ من غلتها كذا قاله بعض المتأخرين وقال أولا فقال عليه السّلام لعبدان « إن لك بينة » قال عليه السّلام « لك يمينه » فقال عبدان إذن يذهب بأرضي فقال النبي عليه السّلام « ليس لك إلا ذلك » فحلف كاذبا باللّه ما له قبله حق فنزلت الآية فأقر عبدان الخ . وفيه مخالفة لكلام المص حيث قال فارتدع امرؤ القيس عن اليمين الخ وأثبت البعض اليمين وأيضا قال فحلف باللّه كاذبا إن كان الحالف امرؤ القيس فحلفه ليس كاذبا على تقدير وقوعه كما يشهد به قوله فأقر عبدان ورد أرضه الخ . وأيضا مقتضى اليمين بقاء الأرض في يد امرئ القيس وإن كان الحالف عبدان فاستقام الكلام وحصل المرام لكن لا يمين على المدعي بل عليه البينة واليمين على من أنكر وكلام ذلك البعض لا يخلو عن كدر .
قوله : ( وهي دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنا ) هذا مذهب الشافعي واختيار الإمامين أبي يوسف ومحمد رحمهما اللّه تعالى وعند إمامنا أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى ينفذ باطنا كما ينفذ ظاهرا لكن الخلاف في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور فقال إمامنا أبو حنيفة إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهرا وباطنا ويكون كعقد عقداه بينهما وإن كان الشهود قوله : وهي دليل أي وهذه الآية دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنا عند التحاكم إليه بما يوجب إثما لأن الآية ناهية عن أكل المال الحاصل بذلك الوجه الباطل ولو نفذ حكمه باطنا لما ورد النهي عنه إذ حينئذ يكون أكله حلالا والمفهوم من الحديث أيضا أن حكمه لا ينفذ باطنا وهو قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم
« إِنَّما أَنَا بَشَرٌ »
الخ إذ لو أحل حكم القاضي لما كان محرما لما كان ما قضى به له قطعة من نار هذا هو قول مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الأمصار رحمهم اللّه وعند أبي حنيفة رحمه اللّه ينفذ ظاهرا وباطنا فيحل عنده الأكل مما حصل بالتحاكم على ذلك الوجه فإنه رحمه اللّه قال إن قضى القاضي بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ حتى لو قضى بنكاح امرأة بشاهدي زور حل وطئها عنده .