كل حكم فلعل حكمة حرمة الربا مخفية علينا وصدر الآية يدل على أن الحالة المذكورة بسبب أكلهم الربا كما ذهب إليه جمهور المفسرين ولكن قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا
[ البقرة : 275 ] الآية ناطق بأن الحالة المذكورة بسبب قولهم إن البيع مثل الربا لا بمجرد أكل الربا فلو قيل المشار إليه بقوله وذلك أكل الربا اندفع ذلك المحذور لكن الشيخين وغيرهما ذهبوا إلى أن المشار إليه العقاب فالتفصي عن ذلك أنه المشار إليه بقوله وذلك العقاب المسبب عن أكل الربا بسبب هذا القول في الأغلب وخلاصته أن منشأ آكل الربا هذا القول في الأكثر والأكل سبب لهذه الحالة مطلقا مستحلا أولا لكن المص اختار كون هذه مستحلا كما سيأتي لكن قال بعض المحشين جمهور المفسرين ذهبوا إلى حمل الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد كذا ذكره العلامة النيسابوري انتهى فالتوفيق بين القولين بما ذكرناه آنفا من الحمل على الأغلب الأكثر قال المص في تفسير قوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
[ النور : 3 ] الآية إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح الخ . وكذا يقال إذ الغالب أن من أكل الربا يكون مستحلا .
قوله : ( إنكار لتسويتهم ) أي إن هذا القول جملة مستأنفة من اللّه تعالى إنكارا لتسويتهم أي إنكار للواقع من التسوية أي ما كان ينبغي أن يكون منهم لا إنكار للوقوع ولهذا قال صاحب الكشاف إنكار لتسويتهم بينهما « 1 » .
قوله : ( وإبطال للقياس لمعارضته النص ) فيه إشارة إلى أن القياس المذكور صحيح إن لم يعارضه النص ويرد عليه أنه إذا كانت التسوية بين الشيئين فجعل أحدهما أصلا والآخر قوله : وإبطال للقياس لمعارضة النص وفي الكشاف قوله :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] إنكار لتسويتهم بينهما ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللّه وتحريمه وتقريره إن ما ذكرتم معارضة النص بالقياس وهو من عمل إبليس لما أمر بالسجود لآدم عارض النص بالقياس وقال
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] على أن بين البائن فرقا وهو أن من باع ثوبا يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء إلا في مقابلة شيء من الثوب وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال مدة عوضا إذ الإمهال ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال لعدم أخذه بالتحريم وفي الكشاف فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم وفي الكواشي ما مضى من ذنبه قبل النهي معفو عنه وجعل ملكا له .
( 1 )
هامش
- السّلام « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » وفيه نظر لأن هذا إذا لم يكن برضاه إذ ليس أخذ مال الغير برضاه حرام مطلقا بل قد يحل كما في غير صورة الربا انتهى ولعل مراد القائل أن الأخذ في صورة الربا ليس برضاه على الحقيقة بل رضاه صوري لكونه محتاجا .
( 1 ) وفيه احتمال آخر وهو أن يكون من تتمة كلام الكفار إنكارا للشريعة ودرا لها أي مثل هذا من الفرق بين المعاملات لا يكون عند اللّه فالجملة حالية فيها قد مقدرة .