تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
فحينئذ النفي راجع إلى القيد والمقيد جميعا قوله : ( وإن يسألوا ) « 1 » عن ضرورة ملجئة إلى السؤال لم يلحوا فحينئذ النفي متوجه إلى القيد فقط فلا إشكال بأن أول الكلام دل على أنهم لا يسألون وآخره يفيد أنهم يسألون وأيضا المنفي السؤال بلا ضرورة والمثبت السؤال مع الضرورة فلا تناقص وهذا الأخير هو الظاهر من كلامه حيث قال وقيل هو نفي الأمرين لكن تقريره يفيد أنه حمله على نفي الأمرين أولا ثم حمل على نفي القيد فقط قال النحرير التفتازاني لا يخفى أن هذا الوجه أعني السؤال والإلحاف جميعا ادخل في التعفف وفي أن يحسبوا أغنياء لكن المص جعله كالمرجوح لما أن هذه الطريقة إنما يحسن إذا كان القيد بمنزلة اللازم مثل قوله تعالى :
وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] فإن الغالب من حال الشفيع الإضمار قال الإمام القول الأول وهو أن سألوا بتلطف ولم يلحوا ضعيف لأن اللّه تعالى وصفهم بالتعفف من السؤال بقوله يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ثم قال تعرفهم بسيماهم وذلك ينافي صدور السؤال عنهم يريد أنه من باب التقسيم الحاضر لأن الناس من بين عارف بأحوالهم وجاهل بها فإذا انتفى شعورهما انتفى السؤال بالكلية قال الطيبي هذا مقام يفتقر إلى فضل بسط ومزيد بيان وقال إن الشيء الذي يراد نفيه إما أن ينفى مطلقا أو ينفى مع وصفه للتأكيد كما تقول ما عندي كتاب يباع فهو يحتمل نفي البيع وحده وإن عنده كتابا إلا أنه لا يبيعه أو نفيهما جميعا وإن لا كتاب عنده ولا كونه مبيعا ذكره صاحب الكشاف في حم المؤمن وما نحن بصدده من القبيل الثاني لوجود عدم السؤال من القرينة السابقة لأنها دافعة لدليل الخطاب كما أن قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً
[ آل عمران : 130 ] دافع دليل خطابه خصوص السبب إذ لو ذهبنا إلى دليل الخطاب لزم التناقص بين السابق واللاحق وهذا نوع من أنواع الكنايات وفائدة انضمام هذه القرينة مع الأولى ومجيء الإلحاف المنفي فيها المبالغة والتوكيد في نفي السؤال في الأول فهي كالتذييل والتتميم ولها طريقان أحدهما جيء بها مشتملة على نفي التابع بالمتبوع ليؤذن بأن المتبوع بلغ في الانتفاء إلى درجة يصح جعله دليلا على نفي الغير فلزم بذلك نفيه على سبيل القطع والبت قال صاحب الشكاف في قوله تعالى :
وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] الفائدة في ذكر الصفة ونفيها هي أن يضم الصفة مع الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف وثانيهما أتى بالقرينة الثانية متضمنة للتابع والمتبوع ليكون انتفاء التابع ذريعة إلى انتفاء المتبوع بالطريق الأولى وهذا إنما يتأتى فيما فيه الوصف في الدرجة القصوى في بابه كالإلحاح فيما نحن فيه فتقول ليس لهم سؤال في حال الاضطرار وانتفاء سؤالهم في غير حال الاضطرار بالطريق الأولى أي لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير لأن المضطر له ذلك وأولئك لا يسألون أيضا هذا السؤال عند الاضطرار فإفاداتهم يشرفون الهلاك ولا يسألون فظهر من هذا قوة إيراد الإمام اللهم إلا أن يقال إن المراد إثبات السؤال على الفرض والتقدير كما صورناه في أول البحث ومع هذا ليس بقوي لما أن الوجه الثاني كإثبات المطلوب بالبينة وتنوير الدعوى بالبرهان .
هامش
( 1 ) لكن الضمير المستكن في تعرفهم يكون مجازا لأنه موضوع لمعين وقد ترك هنا إلى غير معين فيعم لكل من يصلح للخطاب على سبيل العموم هنا فتأمل .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 458 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر