قوله : ( وإنما أفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجس « 1 » الواحد قيل كأن طعامه تينا أو عنبا وشرابه عصيرا أو لبنا ) كالجنس الواحد أي الغذاء لكن في كون الماء غذاء خفاء لكن المراد بالشراب عصير ولبن وكلاهما غذاء فقوله قيل كان طعامه الخ تنبيه على كونهما كالجنس الواحد ولا يبعد أن يقال الضمير راجع إلى كل واحد منهما لا إلى المجموع أو بتأويل المذكور ونحوه أو راجع إلى أحدهما سواء كان الأخير وهو أقربهما أو الأول لأنه أسبق والكل متعارف في مثل هذا الكلام .
قوله : ( وكان الكل على حاله وقرأ حمزة والكسائي لم يتسن بغير الهاء في الوصل ) وكان الكل على حاله مع أنه سريع التغير لا سيما الشراب فإنه أسرع تغيرا حتى روي أنه وجد تينه أو عنبه كما جنى وعصيره كما عصر .
قوله : ( كيف تفرقت عظامه أو انظر إليه سالما في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب من التغير والأول أدل على الحال وأوفق لما بعده ) كيف قوله : وإنما أفرد الضمير يعني كان مقتضى الظاهر أن يثنى الفعل ويقال لم يتسنها أو لم يتسنيا لإسناده إلى ضمير الشيئين وهما الطعام والشراب فأفرد لكونهما كالجنس الواحد في أنهما مما يحتاج إليه بقاء الشخص وأنهما لم يتغيروا بمرور الزمان الطويل قال الإمام في الآية سؤالان الأول أنه تعالى لما قال
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
[ البقرة : 259 ] فكان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
[ البقرة : 259 ] لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهرا على ما قاله من أنه
لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
والجواب أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان بأنها شبهة في الجملة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة أكد ووقوعه في الفعل أكمل فكأنه تعالى لما قال بل لبثت مائة عام قال
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
[ البقرة : 259 ] فإن هذا مما يؤكد قولك بل
لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ثم قال بعده وانظر إلى حمارك ورأى الحمار صار رميما وعظاما نخرة فعظم عجبه من قدرة اللّه تعالى فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما والحمار ربما يبقى دهرا طويلا وزمانا عظيما فرأى ما لا يبقى باقيا وهو الطعام والشراب وما يبقى غير باق وهو الحمار فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وقلبه الثاني من السؤالين أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ثم إن قوله
لَمْ يَتَسَنَّهْ
[ البقرة : 259 ] راجع إلى الشراب لا إلى الطعام والجواب كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير كذلك يوصف الطعام بأن لم يتغير لا سيما إذا كان الطعام لطيفا يتسارع الفساد إليه والمروي أن طعامه كان هو التين والعنب وشرابه كان عصير العنب واللبن .
قوله : والأول أدل على الحال فإن المقصود منه اراءته كيفية إحياء الموتى وإظهار القدرة الكاملة فيه لأن إشكال المار على القرية إنما هو في نفاذ القدرة على ذلك ويناسبه أن يكون معنى وانظر إلى حمارك وانظر إليه كيف تفرقت عظامه لا وانظر إليه سالما .
هامش
( 1 ) وإنما قال كالجنس الواحد إذ بهما يحصل قوام البدن فروعي لهذه الجهة الوحدة ولما كانا من جنسين حقيقة قال كالجنس الخ .