قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي قال اعلم على الأمر والآمر مخاطبة أو هو نفسه خاطبها به على طريق التبكيت ) على طريق التجريد كقول امرئ القيس :
تطاول ليلك بالإثمد
الخ ولم يجئ اعلمي لأنه بتأويل الذات والمخاطب بكسر الطاء هو الملك أو النبي والقول بأنه هو اللّه تعالى يرد عليه أنه لا يطلق عليه تعالى المخاطب وإنما قال على كل شيء قدير مع أن ما سبق يقتضي أن يقال إنه تعالى قادر على الإحياء لكونه من قبيل إيراد الشيء مع دليله .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 260 ]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 260 )
قوله : (
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] إنما سئل ذلك ليصير علمه عيانا ) دليل آخر على إحياء الموتى وبعثهم من القبور وإمكان النشور رب أي يا ربي استعطاف قبل السؤال وتخصيص اسم الرب إذ إجابة السؤال من جملة آثار التربية وهي من الرؤية البصرية لأنها هي المقصودة ولذا قال المص ليصير علمه عيانا وأما الرؤية القلبية فحاصلة قبل السؤال وكيف مفعول ثان لأرني المعلق عنه فإنها تعلق كما تعلق النظر النظيري ( وقيل لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له إن إحياء اللّه تعالى برد الروح إلى بدنها فقال نمرود هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ) .
قوله : ( ليطمئن قلبه على الجواب لو سأل عنه مرة أخرى ) وهذا لا يأباه قوله قال بلى ولكن ليطمئن قلبي لأن قلبه كما اطمئن قلبه المنيف على الجواب كذلك يطمئن قلبه الشريف بمضامة العيان إلى الوحي والاستدلال .
قوله : ( قال أو لم تؤمن بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة قال له ذلك وقد علم أنه أعرف الناس في الإيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه ) قال أو لم تؤمن عطف على مقدر أي ألم تنظر الدليل المؤدي إلى العلم والإيقان ولم تؤمن بأني قوله : أو نفسه وهو على التجريد حسن الموقع كأنه جرد من نفسه شخصا بعد مشاهدة تلك الآيات العظام وخاطبه مبكتا له على استبعاده ذلك .
قوله : ليجيب بما أجاب فإن فيه فائدتين إحديهما هي التفرقة بين علم اليقين وعين اليقين فإن في عين اليقين زيادة طمأنينة ليست في علم اليقين والثانية أن لإدراك الشيء مراتب مختلفة قوة وضعفا وأقصاها عين اليقين والمقصود الحث على تحصيلها كأنه قيل فليطلبها الطالبون ومن هذا يعلم أن الجزم قابل للشدة والضعف فهو حجة على من ذهب أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص والآية دلت على أن الإيمان يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكم لكن المكلف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال وهو علم اليقين لا الجزم الكائن بالمشاهدة التي هي عين اليقين فإن في