قوله : ( أي الشياطين أو المضلات من الهوى والشياطين وغيرهما ) حمله على الجمع لقوله
أَوْلِياؤُهُمُ
[ البقرة : 257 ] أو المضلات أي عموما والمراد من غيرهما النفس الأمارة بالسوء والقوى الغضبية والشهوانية والقوى الوهمية فإنها مبدأ الفحشاء والمنكر والبغي كما صرح به في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
الآية نعم إن تلك القوى إذا كانت مهذبة مطواعة للعقل كانت مبدأ للمبرات ومنشأ للسعادات .
قوله : (
يُخْرِجُونَهُمْ
) الخ أي يصيرون أسبابا لخروجهم من النور إلى الظلمات فإسناد الإخراج إليهم مجاز .
قوله : ( من النور الذي منحوه بالفطرة ) ولما كان الخروج من الشيء مستلزما للمصاحبة أشار إلى أن المراد بالنور الذي خرجوا منه الاستعداد الذي أعطوه بالفطرة وهو تمكنهم من إدراك الحق وقبوله فإنهم لو خلوا ما خلقوا عليه أدى بهم إلى قبول الحق فأولياؤهم يخرجون من ذلك الاستعداد وصار ذلك الاستعداد فاسدا فبقوا خاسرين وللحق فاقدين وهذا معنى الإخراج « 1 » مجازا والمص نبه عليه بقوله وفساد الاستعداد قيل النور هو العهد المأخوذ من آدم وذريته ولم يتعرض له لأنه لا خروج منه بل لعدم الوفاء به بالإيمان الكسبي .
قوله : ( إلى الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات ) فيه إلى الكفر إشارة إلى أن المراد بالظلمات الكفر والجمع باعتبار أنواعه والملائم لما سبق أن يقال إلى فساد الاستعداد واتباع الهوى والانهماك في الشهوات المؤدية إلى الكفر كما أن المناسب أن يقال الذي منحوه بالفطرة المؤدية إلى الإيمان وبالجملة أنه قد حمل الظلمات والنور هناك على الأسباب فالمناسب هنا الحمل على ذلك ولعله أشار إلى جواز إرادة السبب أو المسبب في كل من الظلمات والنور .
قوله : ( أو من نور البينات إلى ظلمات الشكوك والشبهات ) فيكون آمنوا وكفروا على ظاهرهما لأنه تعالى : يخرج المؤمنين عن الشبهات كلما خطرت في قلوبهم بالتوفيق للدفع بلا تلعثم بأنواع الدلائل كما أن الشيطان يخرج الكافرين بالفعل من نور البينات إلى ظلمات الشكوك فإن قيل لم لم يتعرض المص لهذا الوجه في قوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
حيث لم يقل أو من ظلمات الشكوك إلى نور البينات قلنا للاكتفاء بذكره في مقابله .
قوله : ( وقيل نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام ) فح لا شبهة في حمل الكلام على ظاهره وأما المؤمنون فيحتاج أيضا إلى التأويل إلا أن يجعل الآية مختصة بمن كان كافرا ثم أسلم كما ذهب إليه البعض ونقله الإمام الرازي لكنه بعيد لأن التخصيص خلاف الظاهر ولهذا مرض المص قول نزلت في قوم ارتدوا وكون اللّه تعالى وليا لمن كان كافرا ثم أسلم داخل تحت العموم وكذا قوم ارتدوا معاذ اللّه تعالى داخل تحت عموم والذين كفروا الخ
هامش
( 1 ) أشار إلى أن الإخراج هنا مجاز لأنه هو التحريك من الداخل إلى الخروج والخروج هو الحاكة من الداخل إلى الخارج فشبه إبطال ذلك الاستعداد بالإخراج فعبر بالإخراج .