فهو خلف الشخص وإطلاق المتقابلين على أمر واحد باعتبارين صحيح حسن وعلى الأول المراد بالعلم بما في الماضي العلم بأنه وجد أو عدم فالتعلق حينئذ حادث وبالعلم بما في المستقبل العلم بأنه سيوجد أو سيعدم فالتعلق حينئذ قديم « 1 » وكذا الكلام في الثاني وبالجملة تعلق العلم بما وجد في الزمان الماضي حادث وتعلق العلم بما سيوجد أو سيعدم في المستقبل قديم .
قوله : ( أو أمور الدنيا وأمور الآخرة ) أي المراد بما بين أيديهم أمور الدنيا لأنها حاضرة وكل شيء حاضر فهو فيما بين أيديهم فهذا العلم باعتبار تعلقه بأنها وجدت أو عدمت تعلقه حادث وباعتبار أن تلك الأمور ستوجد أو ستعدم تعلقه قديم وأمور الآخرة غائبة عنا وإن كانت موجودة الآن وما في الخلف غائب أيضا .
قوله : ( أو عكسه ) لأنك مستقبل الآخرة ومستدبر الدنيا .
قوله : ( أو ما يحسونه وما يعقلونه ) أي المراد بما بين أيديهم ما يحسونه وبما خلفهم ما يعقلونه لأن ما يحسونه حاضر وقد سبق أن كل حاضر مثل ما بين أيديهم في مطلق الحضور وما يعقلونه غائب عنهم كما في خلفهم .
قوله : ( أو ما يدركونه وما لا يدركونه ) مطلقا سواء كان إدراكه بالحس أو بالعقل وما لا يدركونه سواء كان إدراكه مقدورا لهم أو لأن ما يدرك حاضر بالنسبة إلى ما يدرك وما لا يدرك غائب محض فاستعير ما بين أيديهم لما يدرك بجامع الحضور وما خلفهم لما يدرك لأجل المشابهة في الغيبوبة والنسبة بين المعاني يحتاج بيانه إلى طول الكلام وتقديم المعاني بعضها على بعض وجهه ظاهر ولا يخفى عليك أن المعنى الأول أولى بالاكتفاء لأنه أعم « 2 » وأشمل جميع الخلق وأحوالهم فلا يظهر وجه استيعاب الاحتمالات مع أن بعضها يحتاج إلى التكلفات فإن قيل العلم بما بين أيديهم وما خلفهم لا يتناول العلم بأنفسهم قلنا العلم بما بين أيديهم وما خلفهم مستلزم للعلم بذواتهم اقتضاء إذ العلم بما يضاف إليهم بالقبلية والبعدية لا يكون إلا بالعلم بهم .
قوله : أو أمور الدنيا وأمور الآخرة أو ما يحسونه وما يعقلونه لا يخفى مناسبة أمور الدنيا وما يحسونه لما بين أيديهم أمور الآخرة وما هو المعقول الغائب عن الحس لما خلفهم وكذا مناسبة المدركات لما بين أيديهم وغير المدركات لما خلفهم .
هامش
( 1 ) وغير متناه لأنه عام بأنفاس أهل الجنة وأكلها وعد أنفاس أهل النار وعذابها ولا ريب في أنها غير متناه بالفعل .
( 2 ) والكلام على الإجمال أن أمور الدنيا أعم من الزمان الماضي والمستقبل بالنسبة إلى كل شخص وأمور الآخرة مباين للزمان الماضي وأخص من المستقبل وكذا الكلام في عكسه وما يحسونه أعم من الماضي والمستقبل وكذا ما يعقلونه أعم منهما وكذا ما يدركونه وما لا يدركونه أعم منهما أيضا لأن الأمور التي لا يدركونه بعضها ماض وبعضها مستقبل والنسبة بين البواقي التساوي بحسب ما صدق بالنسبة إلى الزمان وأعم ما يدركونه مما يحسونه ويعقلونه بالنسبة إلى مفهوميهما فتأمل حق التأمل .